الأربعاء، 4 نوفمبر 2026 | الموافق ٢٣ جمادى الأولى ١٤٤٨ هـ
الرأي

تعز ليست داعش… بل مرآة تكشف وحشية من يحاربون الوعي!

الدكتور عادل الشجاع "الخلاف بين رئيس المجلس الرئاسي والحكومة يكشف ضعف القرار اليمني والهيمنة الخارجية ومقتل صالح كان ضمن اتفاق دولي"

حين يتحدث محمد البخيتي عن دخول تعز بذريعة تطهيرها من "التكفيريين والدواعش"، لا يبدو الأمر مجرد خطاب سياسي عابر، بل محاولة خطيرة لإعادة تعريف مدينة بأكملها وفق قاموس الكراهية والتخوين، وتحويل أهلها من ضحايا للحصار والقمع إلى متهمين يحتاجون، في نظر الجماعة، إلى التطهير.!

أي جريمة فكرية وأخلاقية أكبر من أن تختزل مدينة بحجم تعز، بتاريخها وعلمها وثقافتها ومدارسها وجامعاتها، في تهمة الإرهاب؟ تعز التي أنجبت المعلمين والأطباء والمهندسين والمثقفين ورجال الأعمال، وكانت لعقود منارات للوعي والتعليم والحياة المدنية، تقدم اليوم في خطاب الحوثيين وكأنها وكر للتطرف، لمجرد أنها رفضت الخضوع لمشروعهم.!

المسألة أعمق من مجرد تشويه إعلامي، إنها عقلية ترى في التعليم تهديدا، وفي الوعي خطرا، وفي التنوع خصومة، وفي المجتمع المتحرر من هيمنة السلاح عدوا وجوديا. عقلية لا تستطيع أن تنتصر لمشروعها بالبناء والتنمية، فتحاول الانتصار بالتصنيف والتخوين والحصار. وحين تعجز عن كسب العقول، تستهدفها بالتجهيل، وحين تعجز عن إخضاع الإرادة، تحاصر المدن وتجوع الناس..

لكن السؤال الذي ينبغي أن يقلق كل من يصفق لهذا النهج: هل يدرك أتباع الحوثي حجم الكراهية والثارات التي تزرع في نفوس الناس بالقوة؟ وهل يستوعبون أن المظالم لا تموت، وأن إذلال المجتمعات لا يصنع ولاء، وأن الخوف الذي تفرضه البنادق قد يتحول، حين تتغير موازين القوة، إلى غضب لا يمكن احتواؤه؟.

إن من يزرع الأحقاد اليوم لا يملك ضمانات لحصاد الغد. ومن يحول الخلاف السياسي إلى عداوة اجتماعية، ويصنف الناس عقائديا ومناطقيا، لا يؤسس لدولة، بل يضع ألغاماً في طريق الأجيال القادمة..

ولكي نكون منصفين، الحوثي لم يحاصر تعز وحده، حاصرتها أيضا حسابات السياسة، وعجز الدولة، وصراعات النفوذ، وانقسامات الداخل، وخذلان أطراف امتلكت القدرة على إنقاذها ولم تفعل. لكن الإنصاف لا يعني تمييع المسؤوليات: من حاصرها بالسلاح يتحمل جريمة الحصار، ومن امتلك القدرة على فك حصارها وتركها لمصيرها يتحمل مسؤولية الخذلان. لا يجوز أن تتحول خيانة الواجب إلى براءة سياسية..

تعز لا تحتاج إلى شهادة حسن سلوك من أحد، ولا إلى من يمنح أبناءها صكوك الوطنية أو الإيمان. إنها مدينة يمنية أصيلة، وذاكرة وطنية، ومدرسة مدنية دفعت أثمانا باهظة لأنها تمسكت بحقها في الحياة والحرية والكرامة..

وإلى الذين يظنون أن السلاح يستطيع أن يمحو ذاكرة المدن، نقول: قد تستطيعون إغلاق الطرق، وتطويق الأحياء، وتكميم الأصوات، لكنكم لن تستطيعوا محاصرة الوعي إلى الأبد..

تعز ليست داعش، وليست عدوا لليمن. العدو الحقيقي هو كل مشروع يرى في جهل الناس انتصارا، وفي تمزيق المجتمع سلطة، وفي الثأر سياسة، وفي الحصار وسيلة للحكم..

هذه ليست دعوة إلى ثأر مضاد، ولا تحريضا على الانتقام، إنها صرخة في وجه الظلم، وتحذير من أن بناء السلام لا يبدأ بتبرير الجرائم، بل بالاعتراف بها، ومحاسبة المسؤولين عنها، وإنصاف الضحايا..

فلا تصنعوا من تعز جرحا مفتوحا في جسد اليمن، لأنه سيلتهمكم جميعا ولن تستطيعوا معالجة نتائجه..