تُقاس الدول بقدرتها على تحويل مؤسساتها من مجرد مكاتب لتدبير الولاء، إلى مؤسسات لصناعة الشراكة. ومن بين المؤسسات التي حان وقت مراجعتها بهدوء ومسؤولية، مصلحة شؤون القبائل.
أنشئت المصلحة في عام 1980 بقرار جمهوري، في لحظة كان فيها اليمن يبحث عن صيغة يلتقي فيها مشروع الدولة الفتي مع بنية المجتمع القبلي العميقة. وكان الهدف المعلن يومها واضحاً: أن تكون المصلحة جسراً، لا سوراً. جسراً تعبر عليه الدولة إلى القبيلة، وتعبر عليه القبيلة إلى الدولة، وتُدار عليه ملفات حساسة تتعلق بالوساطة، وحل النزاعات، وتقريب وجهات النظر، وحماية السلم الأهلي.
لكن الجسور حين تُحتكر من جهة واحدة، تتحول إلى بوابات.
والمتتبع لمسيرة المصلحة منذ تأسيسها حتى اليوم يلاحظ حقيقة لا يمكن القفز عليها إلا بالمجاملة أن قيادة هذه المؤسسة ظلت منذ تاسيسها وحتى لحظه كتابه هذا المقال ، تدور في إطار جغرافي وقبلي ضيق.
ارتبط في الأذهان بقبيلة بكيل الكريمة. ونحن هنا لا نتحدث عن أشخاص، فلبكيل ورجالها تاريخ مشهود ومكانة محفوظة نحترمها ونقدرها، و الحديث هنا عن قاعدة. عن عرف إداري تحول مع الوقت إلى احتكار ضمني طال أكثر مما ينبغي.
في المقابل، هناك حقيقة أخرى لا تقل وضوحاً أن مذحج، وهي التجمع القبلي الأوسع والأكثر امتداداً في الجغرافيا اليمنية، من مأرب إلى البيضاء إلى شبوة ويافع . وأبين والجوف وأجزاء من الضالع ولحج، ظلت وماتزاد خارج الدائرة القيادية لهذه المصلحة.
وهذا التجمع القبلي المذحجي ليس هامشاً في التاريخ اليمني. بل هو في صلب التضحية الجمهورية والوحده اليمنيه . من مذحج خرجت كتائب الثورة، ومن مذحج قُدمت قوافل الشهداء دفاعاً عن صنعاء ومأرب والجوف والبيضاء، ومن مذحج لا تزال حتى اليوم تُسد ثغور الجمهورية في أصعب الجبهات.
كيف يستقيم إذن أن يكون الأكثر تضحية هو الأقل تمثيلاً؟ وكيف يستقيم أن تدار مصلحة يفترض أنها تمثل كل القبائل بمنطق يمثل بعضها؟
إن الدراسات الاجتماعية قسمت القبائل اليمنية إلى ثلاثة أضلاع كبرى مذحج و حاشد وبكيل وتلحق بمذحج قبائل الجنوب تاريخياً واجتماعياً. وهذا التقسيم ليس قانوناً ملزماً للدولة.
لكنه يعكس حقيقة اجتماعية لا يمكن إنكارها. والدولة الحديثة لا تلغي هذه الحقيقة، بل ينبغي ان تديرها بعدالة. ونقصد بالعدالة هنا التدوير، والكفاءة، وإنهاء الاحتكار الذي يولد مع الوقت شعوراً بالغبن، وشعور الغبن إذا تراكم تحول إلى فجوة ثقة بين القبيلة والدولة.
وقد تغير اليمن كثيراً خلال خمسة وأربعين عاماً. تغيرت أنظمة الحكم، وتبدلت موازين القوى، وظهرت قوى جديدة، وانكسرت قوى قديمة، وتغيرت الخارطة السياسية والاجتماعية، وبقي موقع مذحج في حسابات هذه المصلحة على حاله تقريباً. هذا الثبات في الإقصاء وسط كل هذا التغير هو ما يستدعي المراجعة، لا بدافع مناطقي، بل بدافع وطني .
إننا اليوم لا نطالب بإزاحة أحد، ولا بإثارة خصومة بين القبائل، فالقبائل اليمنية في خندق واحد في معركة استعادة الدولة. نحن نطالب بتحديث المؤسسة. المؤسسة الحديثة لا تقوم على الولاء الشخصي، بل على التمثيل العادل والأسس العلمية والإدارية. والمؤسسة التي لا تتداول قيادتها، تموت حتى لو بقي مبناها قائماً.
ولأن المرحلة تتطلب رمزية تجمع ولا تفرق، فإن الأنظار تتجه إلى قيادات تتوفر فيها ثلاث صفات: الرمزية الجمهورية، والقبول العام، والاستحقاق التاريخي.
ومن بين هذه القيادات، يبرز اسم الشيخ العميد صادق صالح القردعي المذحجي. للاسباب التاليه
أولاً " الرمزية الجمهورية"
فهو حفيد الشيخ الثائر علي ناصر القردعي، أحد قادة ثورة 48 الدستورية، تلك الحركة التي كسرت جدار الخوف وأسست للفكر الدستوري الذي مهد لثورة 26 سبتمبر الخالدة. وإسناد مهمة وطنية كهذه إلى حفيد أحد رواد الحركة الدستورية هو وصلٌ لحاضر الجمهورية بجذورها، ورسالة بأن الدولة لا تنسى من أسسوا لفكرتها الأولى.
ثانياً ( القبول العام)
فأسرة آل القردعي تحظى باحترام واسع بين قبائل مذحج على وجه الخصوص، وقبائل اليمن عموماً. وهذا القبول هو رأس المال الحقيقي لمن يتولى رئاسه المصلحه و الوساطة. فالمصلحة لا تحتاج إلى صاحب نفوذ يفرض، بل إلى صاحب قبول يقرب.
ثالثاً( العدالة التمثيلية)
فتولية قيادة مذحجية لمصلحة شئون القبائل يعني أن القبيله المذحجيه تتحول من ضيف على الدولة إلى شريك فيها، بحكم حجمها وتاريخها وتضحياتها. وهذا رد اعتبار لمكون واسع شعر طويلاً أنه خارج حسابات القرار القبلي الرسمي.
رابعاً( الاستقرار الاجتماعي)
إن الإقصاء المزمن يغذي في النفوس شعور الغبن، والإنصاف يخففه. وقرار يكسر الاحتكار كهذا يقول للقبائل كلها: إن الدولة تراكم الثقة، ولا تراكم الاحتكار.
إننا لا نطرح اسماً ضد اسم، ولا قبيلة ضد قبيلة. نحن نطرح مبدأ: أن لكل مرحلة منطقها، وأن منطق هذه المرحلة هو الشراكة.
لقد كانت المصلحة في الثمانينات أداة لضبط الإيقاع القبلي في ظل دولة مركزية. أما اليوم، في ظل حرب وجودية تشنها مليشيا سلاليه طائفية على فكرة الجمهورية نفسها، فإن المصلحة يجب أن تتحول إلى أداة لحشد كل القبائل خلف مشروع الدولة. وهذا الحشد لا يتم إلا إذا شعرت كل قبيلة أن لها مكاناً، وصوتاً، وتمثيلاً.
إن تعيين قيادة مذحجية لمصلحة شؤون القبائل ليس انتصاراً لمذحج على بكيل أو حاشد، بل هو انتصار لفكرة الدولة التي تتسع للجميع. والدولة التي تتسع للجميع هي وحدها القادرة على هزيمة مليشيا لا تتسع إلا لنفسها.
فهل آن الأوان أن تتولى قيادة مذحجية هذه المصلحة؟
نعتقد أن الجواب نعم، وأن التأخير لم يعد يخدم أحداً، وأن في الشيخ العميد صادق القردعي تجتمع الرمزية والقبول والاستحقاق.
وقرار بهذا المعنى سيُقرأ في مأرب والبيضاء وشبوة وأبين والجوف على أنه رسالة إنصاف، وسيُقرأ في صنعاء وعمران وصعدة على أنه رسالة وحدة، وسيُقرأ في كل بيت يمني على أن الجمهورية لا تزال وفية لأبنائها، وأن لكل قبيلة مكانها الذي تستحقه تحت سقف الدولة، لا خارجها.





