كيف وصلت السعودية والإمارات أقوى حلفاء الولايات المتحدة إلى حد الصراع في اليمن؟
أخبار عربية
مع صعود محمد بن سلمان إلى السلطة بوصفه وليًّا للعهد في السعودية قبل نحو عقد من الزمن، كان مسؤولون ومحللون في واشنطن يقارنونه أحيانًا بالحاكم الفعلي لدولة الإمارات العربية المتحدة، الشيخ محمد بن زايد.
قدّم كلا الرجلين نفسيهما بوصفهما مصلحين سلطويين، فقد تعاونا في اليمن عام 2015، حيث أطلقا تدخلًا عسكريًا كارثيًا لصدّ المتمردين المدعومين من إيران، ثم وحّدا جهودهما لاحقًا في مواجهة سياسية حادة ضد جارتهما قطر.
لكن الرجلين باتا اليوم على خلاف متزايد، يقودان بلدين نفطيين في الخليج العربي إلى مسار من المواجهة والتنافس في الشرق الأوسط وأفريقيا وخارجها.
وقد انفجرت التوترات التي كانت تتفاعل بهدوء إلى العلن الثلاثاء، بعدما استهدفت غارة جوية بقيادة السعودية شحنة إماراتية لدى وصولها إلى اليمن، وسط اتهامات بأن الإمارات كانت ترسل أسلحة إلى جماعة انفصالية.
وشكّل ذلك ذروة دراماتيكية لخلاف بين شريكين سابقين، باتا اليوم يدعمان أطرافًا متعارضة في اليمن والسودان، ويتبعان سياسات نفطية مختلفة، ويتخذان خطوات متبادلة متعارضة في الملفات الاقتصادية والتجارية.
ونظرًا للتأثير العالمي الواسع لكل من السعودية والإمارات — بوصفهما من كبار مصدّري الطاقة، ومالكين لثروات سيادية ضخمة، ويتمتعان بنفوذ دبلوماسي كبير — فإن هذا الشرخ يحمل القدرة على تحريك الأسواق، وعرقلة الاستثمارات، وتعطيل مفاوضات حساسة حول العالم.
أما في واشنطن، فإن هذا الانقسام ينذر بصداع سياسي حقيقي، فقد أمضى وزير الخارجية ماركو روبيو يوم الثلاثاء في إجراء اتصالات مكثفة مع نظرائه السعوديين والإماراتيين.
وقد قدّم البلدان وعودًا ضخمة بضخ استثمارات في الولايات المتحدة، ويُعدّان فاعلين أساسيين يعوّل الرئيس ترامب على دعمهما لسياساته في الشرق الأوسط، بما في ذلك ما يتعلق بإسرائيل وغزة.
وتقول ياسمين فاروق، مديرة مشروع الخليج والجزيرة العربية في «مجموعة الأزمات الدولية»: "لا أحد في الخليج يريد أن يرى أزمة خليجية جديدة، ولذلك لدى الجميع مصلحة في احتواء هذا التصعيد"، ومع ذلك، يبقى الانقسام الجوهري قائمًا.
انتهج الأمير محمد سياسة خارجية هجومية في سنواته الأولى، وأطلق حملة القصف في اليمن بعد أشهر قليلة من تعيينه وزيرًا للدفاع، لكنه منذ ذلك الحين سعى إلى تهدئة الصراعات الإقليمية في إطار سعيه لتحقيق أجندته الاقتصادية الداخلية.
وعلى النقيض من ذلك، تحوّلت الإمارات إلى لاعب إقليمي متمرّد ذي طموحات تبدو إمبراطورية، وساعدت خلال الولاية الأولى للرئيس ترامب، في هندسة سلسلة من الاتفاقات التي طبّعت بموجبها الإمارات والبحرين والمغرب علاقاتها مع إسرائيل، في خطوة كسرت سياسة طويلة الأمد التزمت بها العديد من الدول العربية.
كما لعبت الحكومة الإماراتية دورًا متزايد النشاط خارج الإقليم، واستثمرت بكثافة في أفريقيا.
وواجهت الدولة خلال الأشهر الأخيرة، موجة انتقادات دولية بسبب دورها المزعوم في السودان، إذ اتُّهمت بدعم "قوات الدعم السريع"، وهي قوة شبه عسكرية تخوض قتالًا ضد الجيش السوداني في حرب أهلية مدمّرة.
وكان مسؤولون إماراتيون قد نفوا سابقًا تقديم أي دعم لتلك القوة، غير أن الأدلة على ذلك موثقة على نطاق واسع، ودعمت السعودية في المقابل الجيش السوداني، واستضافت محادثات سلام بين طرفي الصراع.
وضغط الأمير محمد بن سلمان على الرئيس ترامب خلال زيارة إلى الولايات المتحدة في نوفمبر، للمساعدة في التوصل إلى اتفاق سلام في السودان، ومن شأن أي انخراط محتمل لإدارة ترامب أن يضاعف الضغوط الدولية المفروضة على الإمارات بسبب الملف السوداني.
وقال ماركو روبيو في نوفمبر، في إشارة إلى الأطراف المنخرطة في السودان: "هناك من يموّلهم، وهناك من يزوّدهم بالسلاح، ونحن نعرف من هم".
وقالت ياسمين فاروق إن الإمارات، في السنوات الأخيرة، "تخصّص أدواتها المالية والعسكرية المتنامية لتحقيق طموحاتها الجيو-اقتصادية عبر إسقاط نفوذها"، في حين ركّزت السعودية على احتواء الأزمات الإقليمية وإدارتها.
وقال أنور قرقاش، المسؤول الإماراتي البارز، في مقابلة مع شبكة «سي إن إن» في نوفمبر: "نحن دولة مؤثرة في المنطقة، وربما لا يعجب ذلك البعض، لكن الحقيقة أننا كذلك، وبناءً على ذلك، لدينا رؤية إقليمية لما نريد أن نراه في الدول من حولنا".
ووصف بدر السيف، الأستاذ المساعد في جامعة الكويت، خطوط التصدّع بين البلدين بأنها "اختلاف في الرؤى للعالم"، ويقول محللون ودبلوماسيون إن تحركات الشيخ محمد بن زايد تبدو مدفوعة باعتبارات أيديولوجية، من بينها معارضته للإسلام السياسي، الذي يراه تهديدًا للمنطقة.
وعلى النقيض من ذلك، يُنظر إلى الأمير السعودي على أنه براغماتي لا يرحم، مستعد لتغيير مواقفه السياسية كلما اقتضت الضرورة.
ويبدو أن اختلاف العقليات وقوة الشخصيتين جعلا الاصطدام بينهما مسألة وقت لا أكثر.
وكان أول مؤشر علني على وجود خلل في العلاقة قد ظهر عام 2019، فمع تصاعد الضغوط الدولية على الحملة التي تقودها السعودية في اليمن بسبب أعداد القتلى الواسعة وانتشار الجوع والأمراض، سحبت الإمارات معظم قواتها، لكنها في الوقت نفسه قدّمت دعمًا لجماعة انفصالية هي المجلس الانتقالي الجنوبي، التي بدأت القتال علنًا ضد الحكومة اليمنية.
وبعد ذلك بفترة وجيزة، احتدم التنافس الاقتصادي بين البلدين، إذ شكّلت خطط الأمير محمد بن سلمان لتحويل السعودية إلى مركز عالمي للأعمال والذكاء الاصطناعي والسياحة تهديدًا محتملًا لدبي، المركز المالي والجوي الأبرز للإمارات.
وكثيرًا ما يقول مسؤولون سعوديون وإماراتيون إن المنافسة بين البلدين ودّية ومفيدة للجميع، غير أن الحكومة السعودية بدأت في عام 2021 بالضغط على الشركات الدولية لنقل مقارّها الإقليمية من دبي إلى الرياض، ملوّحة بحرمان الشركات التي لا تمتثل من الوصول إلى عقود حكومية مربحة.
وكانت أعنف المواجهات بين البلدين في اليمن، أفقر دول شبه الجزيرة العربية.
فقد اجتاح الانفصاليون جنوب وشرق اليمن في ديسمبر، وسيطروا على مساحات واسعة من الأراضي الغنية بالنفط في مناطق كانت السعودية تمسك بنفوذها منذ زمن طويل، وأعلنوا نيتهم إقامة دولة منفصلة.
ولا يزال سبب دعم الإمارات لهذه الجماعة غير واضح، غير أن محللين يرجّحون أن القيادة الإماراتية قد تنجذب إلى فكرة بسط نفوذها على مدن الموانئ اليمنية الواقعة على طرق تجارة عالمية حيوية.
ويقول مسؤولون إماراتيون إنهم يقفون ببساطة إلى جانب حق اليمنيين في الأمن وتقرير المصير.
في المقابل، وصف مسؤولون سعوديون التحركات الأخيرة للجماعة الانفصالية بأنها تشكّل تهديدًا أمنيًا للمملكة، التي تتشارك مع اليمن حدودًا طويلة وسهلة الاختراق.
واتهمت وزارة الخارجية السعودية الإمارات بالضغط على الجماعة لدفعها إلى شن هجومها الأخير، عندما قصفت قوات تقودها السعودية في اليمن شحنة إماراتية، قائلة إنها تحتوي على أسلحة متجهة إلى الانفصاليين.
ونفت الحكومة الإماراتية ذلك، وقالت إن الشحنة لا تحتوي على أسلحة، لكنها أعلنت بعد ساعات أنها ستسحب ما تبقى من قواتها العسكرية من اليمن «بمحض إرادتها».
وفي أعقاب الغارة الجوية، بدأ معلّقون سعوديون وإماراتيون — اعتادوا عادةً التأكيد على الاحترام الأخوي بين بلديهم — بتبادل هجمات كلامية علنية.
وكتب ضاحي خلفان، نائب قائد شرطة دبي المعروف بصراحته، على وسائل التواصل الاجتماعي أن الادعاء بأن الإمارات هدّدت الأمن السعودي "مؤسف" وغير صحيح.
ثم وجّه انتقادًا مبطّنًا للأمير محمد بن سلمان، عبر الإشادة بحاكم سعودي سابق هو الملك عبد الله، الذي كثيرًا ما يستحضر منتقدو الأمير ذكراه.
وكتب خلفان: "رحم الله الملك عبد الله بن عبد العزيز وأسكنه فسيح جناته. في أشد الليالي ظلمة يُفتقد ضوء البدر".
في المقابل، ألمح مؤثرون سعوديون على وسائل التواصل الاجتماعي إلى أن الحكومة الإماراتية تتصرّف بانتهازية وتعاني أوهام العظمة.
وكتب سعود الدوسري، نجل وزير الإعلام السعودي: "شيء أن تضرب فوق وزنك، وشيء آخر أن تعتقد أن ذلك يجعلك قوة إقليمية".
من جهته، أعرب بدر السيف، الأستاذ في جامعة الكويت، عن أمله في أن يؤدي خروج الخلاف إلى العلن إلى "تسريع التوصل إلى حل، أو على الأقل إلى صيغة تعايش أوضح بين الطرفين".