السعودية والإمارات تسلكان مسارات متباينة في عالم متعدد الأقطاب
أخبار عربية
يرى مركز ستوراتفور للابحاث أن تؤدي المنافسة المتصاعدة بين السعودية والإمارات العربية المتحدة إلى زيادة الضغوط على العلاقات الثنائية بين البلدين، بما يرفع مخاطر التصعيد واندلاع النزاعات — سواء بصورة مباشرة أو عبر وكلائهما — في ساحات مثل اليمن والسودان وسوريا، فضلًا عن احتمال حدوث اضطرابات داخل مجلس التعاون الخليجي.
ويعتبر تصاعد المنافسة الجيوسياسية بين السعودية والإمارات خلال الأسابيع الأخيرة، كما يتجلّى ذلك في تباين استراتيجياتهما عبر عدد من بؤر التوتر الإقليمية، وفي تنافسهما الاقتصادي المباشر.
وحسب تحليله فإن السياسات التي تحدث اليمن، رفعت من تصاعد التوترات على نحو حاد بعد أن شنّت قوات حكومية مدعومة من السعودية، في الثاني من كانون الثاني/يناير، هجومًا في محافظة حضرموت لاستعادة أراضٍ من المجلس الانتقالي الجنوبي الانفصالي المدعوم من الإمارات، وهو ما يسلّط الضوء على استمرار تباعد الضرورات الاستراتيجية السعودية والإماراتية في البلاد.
كما تدعم الدولتان الخليجيتان فصائل متنافسة في الحرب الأهلية المستمرة في السودان، كما تدعم الدولتان الحكومة المؤقتة الجديدة في سوريا، الا انهما تختلفان في رؤيتهما لطبيعة النظام الذي ترغبان في أن يتولى السيطرة على البلاد على المدى الطويل.
ولا تقتصر هذه المنافسة الجيوسياسية على ساحات الصراع الإقليمية، بل تمتد أيضًا إلى الجوار المباشر للسعودية والإمارات، إذ يخوض البلدان داخل مجلس التعاون الخليجي منافسة اقتصادية مباشرة على جذب الاستثمارات والسياح والشركات والتكنولوجيا.
كما تختلف رؤيتاهما للنظام العالمي المتعدد الأقطاب الآخذ في التشكل اختلافًا واضحًا؛ إذ تميل السعودية إلى تفضيل تغييرات تدريجية تحافظ على الوضع القائم، في حين تبدو الإمارات أكثر استعدادًا لدعم تحولات جوهرية في التحالفات، بل وحتى في الحدود.
مسارات متباينة في العلاقات السعودية–الإماراتية.
شهدت العلاقات السعودية–الإماراتية موجات متعددة من الصعود والهبوط، تميّزت بنزاعات حدودية، وتعاون ضد خصوم مشتركين، وتباينات في الرؤى بشأن المسار السياسي للعالمين العربي والإسلامي..
اصطف البلدان معًا في مواجهة إيران الثورية عام 1979، فدعما صدام حسين في حربه ضد إيران التي استمرت ثماني سنوات، ثم دعما الولايات المتحدة عندما انقلب صدام على دولة خليجية شقيقة هي الكويت عام 1991، غير أنه مع انتهاء الحرب الباردة، بدأت السعودية والإمارات تتباعدان في رؤاهما للعالم؛ إذ فضّلت السعودية نظامًا دوليًا مستقرًا وبطيء التغيّر تضمنه الولايات المتحدة، في حين مالت الإمارات، ولا سيما في ظل قيادة الشيخ محمد بن زايد منذ عام 2004، إلى التكيّف والتجريب الجيوسياسي.
وقد تبنت الرياض ولفترة قصيرة مقاربة ابوظبي الدولية، الا ان التداعيات الدبلوماسية لحصار قطر، والهجمات الإيرانية على السعودية عام 2019، والمخاوف المتعلقة بالاستقرار الداخلي السعودي، أقنعت ولي العهد السعودي محمد بن سلمان بالعودة إلى نهج السياسة الخارجية التقليدي للمملكة بحلول عام 2021.
ومن المتوقع ان تظل العلاقات الثنائية السعودية الإماراتية متوترة خلال السنوات المقبلة، الا ان الرياض وابوظبي ستعملان على "تحييد تنافسهما" وتجنّب أي تصعيد قد ينعكس سلبًا على اقتصاديهما.
وكان البلدان قد واصلا إعطاء الأولوية لاستراتيجيات التنمية الوطنية على حساب سياساتهما الخارجية، كما يظهر في سعيهما إلى تهدئة مع الخصم الإقليمي إيران، وفي التزامهما الحياد الصارم في كلٍّ من التنافس الأميركي–الصيني والصراعات في غزة وأوكرانيا، وحتى عندما تصادم وكلاؤهما في اليمن والسودان، فمن غير المرجح ان تقدم الرياض وأبوظبي على خطوات دبلوماسية أو أمنية كبرى ضد بعضهما البعض على طول حدودهما المشتركة في شرقي الجزيرة العربية، إذ إن مثل هذه التحركات التصعيدية قد تهدّد نماذج تنميتهما الاقتصادية وتؤدي إلى هروب رؤوس الأموال أو الأعمال.
كما من غير المحتمل أن تطلق الرياض وأبو ظبي حملة "ضغط أقصى" علنية ضد بعضهما، على غرار حصار قطر، لأن تنافسهما الراهن على النفوذ في السودان واليمن لا يشكّل تهديدًا جوهريًا لأنظمتهما السياسية أو لنماذج تنميتهما.
ويختلف الخلاف الحالي بين الرياض وابوظبي عن الخلاف الذي نشب مع قطر في مرحلة ما بعد "الربيع العربي"، والذي نبع من دعم الدوحة حركات سياسية اعتُبرت مهدِّدة للملكيات السعودية والإماراتية، ونتيجة لذلك، سيبقى التنافس السعودي–الإماراتي محصورًا في جغرافيات محددة تتعارض فيها أولوياتهما، وفي سياق تنافسهما الاقتصادي، يُرجَّح أن يركّز الطرفان على تطوير مزايا نسبية متبادلة، بدلًا من توظيف ثقلهما الاقتصادي أو أدواتهما الأمنية لتقويض نماذج التنمية لدى كلٍّ منهما.