سيطرة ترمب على نفط فنزويلا ينعكس على وضع أوبك

الاقتصاد والمال
وول ستريت جورنال + اليمني الجديد

يجد أعضاء منظمة أوبك أنفسهم اليوم أمام متغيّر جديد وغير متوقَّع وهم يكافحون للحفاظ على حصصهم السوقية في ظل تراجع أسعار النفط: تحرّك الرئيس ترامب للهيمنة على إمدادات النفط الفنزويلية ودفع السوق في اتجاه يخدم مصلحة المستهلكين الأميركيين.

فترامب، الذي طالما دافع عن زيادة إنتاج النفط وحدّد سعرًا مستهدفًا عند 50 دولارًا للبرميل، يخطّط لإطلاق مبادرة واسعة لإعادة تأهيل حقول النفط الفنزويلية وتسويق إنتاجها، بحسب أشخاص مطّلعين على الأمر، ومن شأن ذلك إعادة رسم خريطة النفط العالمية، بوضع الولايات المتحدة في موقع الإشراف على إنتاج أحد الأعضاء المؤسِّسين لمنظمة البلدان المصدّرة للنفط (أوبك)، ومنحها، إلى جانب إنتاجها المحلي الضخم، دورًا قد يكون مُربكًا لسوق تعاني أصلًا من فائض في المعروض.

وعلى الرغم من أن المحللين يتوقّعون أن يتطلّب إحياء قطاع النفط الفنزويلي المتداعي استثمارات هائلة ووقتًا طويلًا، فإنهم يرون أن حتى زيادة محدودة في الإنتاج على المدى القريب، تعقبها زيادة أكبر على المدى الأطول، قد تفاقم الاختلال العالمي وتدفع الأسعار إلى مزيد من الانخفاض.

ويواجه أعضاء أوبك الآن سؤالًا صعبًا: هل يحاولون دعم الأسعار عبر خفض الإمدادات، مع ما ينطوي عليه ذلك من مخاطر الإضرار بالإيرادات والحصة السوقية، وربما أيضًا بعلاقاتهم مع الرئيس الأميركي غير القابل للتنبؤ؟

ويقول ديفيد أوكسلي، كبير اقتصاديي المناخ والسلع في «كابيتال إيكونوميكس»: "يقع العبء على الجميع في إدارة مصالحهم الخاصة، ولكن من دون وخز الدب في الوقت نفسه. هذا توترٌ بنيوي يثقل كاهل السوق العالمية".

ويعتقد بعض الأعضاء أنه إذا غيّرت الإدارة الفنزويلية اللوائح لجعل قطاع النفط جاذبًا للمستثمرين الأميركيين، فقد تتمكّن البلاد من ضخّ مليوني برميل إضافيين يوميًا خلال فترة تتراوح بين عام وثلاثة أعوام، ارتفاعًا من أقل من مليون برميل يوميًا حاليًا، بحسب مندوبين خليجيين في أوبك.

أما السعودية، فتتبنّى في الوقت الراهن سياسة الانتظار والترقّب، وفق أشخاص مطّلعين على الأمر، ويستند هذا الموقف إلى أن استعادة الإنتاج في فنزويلا ستستغرق سنوات، وأن الشركات الأميركية ستطالب بإطار قانوني وضمانات محتملة من الحكومة الأميركية تُلزِم الإدارات المقبلة قبل استثمار مليارات الدولارات اللازمة لإصلاح البنية التحتية الفنزويلية المتهالكة.

ونفذ فنزويلا خام ثقيل عالي الكبريت، يُعدّ منخفض الجودة وغير جذّاب تجاريًا على الرغم من امتلاك فنزويلا احتياطيات نفطية هائلة، ومع ذلك، يرى أعضاء آخرون في أوبك من دول الخليج أن خطط ترامب قد تحمل جانبًا إيجابيًا؛ فإذا عطّل تدفّق النفط الفنزويلي إلى الصين، فسيُجبر هذا المستهلك العملاق على التوجّه أكثر إلى الخليج لتأمين الإمدادات، بحسب المندوبين الخليجيين.

ومع ذلك، فإن التحرّك الأميركي في فنزويلا سيُعقّد جهود المنظمة لإدارة السوق، مع وقوع احتياطيات ضخمة تحت السيطرة الأميركية وخروجها من فلك أوبك، وفق المندوبين.

وبحسب محللي «جيه بي مورغان»، فإن الاحتياطيات النفطية المجمّعة لكل من غيانا، حيث تهيمن شركات أميركية كبرى على القطاع، وفنزويلا والمنتجين الأميركيين قد تمنح الولايات المتحدة نفوذًا على نحو 30% من الإجمالي العالمي.

وقال البنك في تقرير حديث: "قد يمنح هذا التحوّل الولايات المتحدة تأثيرًا أكبر على أسواق النفط، بما قد يُبقي الأسعار ضمن نطاقات أدنى تاريخيًا، ويعزّز أمن الطاقة، ويعيد تشكيل توازن القوى في أسواق الطاقة الدولية».

وتكافح أوبك، إلى جانب حلفائها ومن بينهم روسيا، بالفعل لوضع استراتيجية للتعامل مع ضغط ترامب من أجل أسعار نفط منخفضة، ففي حين دعا الرئيس مرارًا الكارتل إلى زيادة الإنتاج، يخشى أعضاؤه أن تكون الأسعار منخفضة أصلًا، واتفقت أوبك مع روسيا ومنتجين آخرين في اجتماع عُقد يوم الأحد، على تجميد أي زيادات في إنتاج النفط خلال الأشهر الثلاثة الأولى من هذا العام.

وتراجعت أسعار النفط العام الماضي بفعل زيادة الإنتاج حول العالم والمخاوف بشأن وضع الاقتصاد العالمي، ويُتداول خام برنت، المعيار العالمي، حاليًا عند نحو 63 دولارًا للبرميل، فيما يحوم الخام الأميركي القياسي حول 59 دولارًا للبرميل، وكلاهما منخفض بنحو الخُمس مقارنة بالعام الماضي.

وقال البنك في تقرير حديث: "قد يمنح هذا التحوّل الولايات المتحدة نفوذًا أكبر على أسواق النفط، بما قد يُبقي الأسعار ضمن نطاقات أدنى تاريخيًا، ويعزّز أمن الطاقة، ويعيد تشكيل ميزان القوى في أسواق الطاقة الدولية".

وخفّض المحللون في الأسابيع الأخيرة توقّعاتهم لأسعار النفط هذا العام؛ إذ يتوقّع «جيه بي مورغان» أن يبلغ متوسط سعر برنت 58 دولارًا هذا العام، بينما يبلغ متوسط الخام الأميركي 54 دولارًا، مع ترجيح أسعار أدنى في العام المقبل.

وخفّضت السعودية هذا الأسبوع، سعر خامها للمشترين الآسيويين للشهر الثالث على التوالي.

ومهما يكن مصير إنتاج فنزويلا، يتفق المحللون على أن أسعار النفط المنخفضة ستستمر، ما سيضغط على هوامش الأرباح وميزانيات المنتجين عالميًا، وقد يؤدّي هبوطٌ مستدام دون 50 دولارًا للبرميل، وهو حدّ الربحية للعديد من الشركات، إلى شلّ صناعة النفط الصخري الأميركية، التي قدّمت دعمًا قويًا لترامب، ويُعرض كثير من الحفّارين الأميركيين بالفعل عن الاستجابة لدعوات الرئيس إلى زيادة الإنتاج، مفضّلين الالتزام بمطالب «وول ستريت» بالانضباط الصارم في الإنفاق الرأسمالي.

ويقدّر محللون أن السعودية تستطيع ضخّ النفط الخام بتكلفة تقلّ عن 10 دولارات للبرميل، غير أنّ «كابيتال إيكونوميكس» تشير إلى أن المملكة تحتاج إلى أسعار تفوق 100 دولار للبرميل لخفض عجزها المالي إلى الصفر.

وتواجه الرياض التزامات إنفاق محلية واسعة تركت أكبر مُصدّر للنفط في العالم بعجز متزايد في الميزانية وحاجة أكبر إلى الاقتراض.

ويهدف برنامج «رؤية 2030» إلى تنويع الاقتصاد بعيدًا عن النفط عبر تحفيز النمو في قطاعات مثل السياحة والترفيه والرياضة.

ويقول ستيفن هرتوغ، أستاذ الاقتصاد السياسي في «كلية لندن للاقتصاد» الذي كتب على نطاق واسع عن السياسة السعودية: "الأسعار المنخفضة تمارس بالتأكيد ضغوطًا أكبر على السعودية، كما تقيّد قدرتها على توظيف رأس المال خارجيًا بصورة استراتيجية، وهو أمر مهم في ظل تنافس دول الخليج على كسب ودّ إدارة ترامب عبر تعهّدات استثمارية كبيرة".

ومن شأن زيادة البراميل الفنزويلية أن تضيف ضغوطًا على صناعة النفط الروسية، التي تتعرّض لضرر شديد بفعل العقوبات والهجمات الأوكرانية وتراجع هيكلي طويل الأمد تقوده شيخوخة الحقول ونقص الموارد اللازمة لاستكشاف احتياطيات معقّدة.

كما يتآكل نفوذ أوبك بالفعل بفعل الطفرة في الإنتاج في الولايات المتحدة والبرازيل وغيانا.

ويقول أوكسلي: "لقد شاهدوا حصصهم تُنتزع منهم على يد منتجين آخرين حول العالم، وهناك الكثير من النفط يتدفّق إلى السوق، ولم تعد أوبك تمتلك النفوذ الذي كانت تملكه في السابقة".

زر الذهاب إلى الأعلى