كيف ألقت الولايات المتحدة القبض على مادورو في فنزويلا.؟
الأخبار العالمية
أعطى الرئيس دونالد ترامب الزعيم الفنزويلي فرصة أخيرة للتنحي، فقد ابلغ نيكولاس مادورو أنه يجب عليه المغادرة خلال مكالمة هاتفية خاصة قبل أسبوع، وبحلول ذلك الوقت، كانت أساطيل من السفن الحربية الأمريكية تتراءى قبالة سواحل فنزويلا، وقد تسللت فرقة من وكالة الاستخبارات المركزية إلى البلاد، تتعقّب تحركات مادورو وعاداته: أين ينام، وما يأكل، وأين يسافر.
قال ترامب مستذكراً المكالمة في مؤتمر صحفي يوم السبت في منزله بـ «مار-آ-لاجو»: "يجب أن تستسلم".
قام مادورو بالمجازفة الأكبر في حياته، وقال ترامب إنه "اقترب" من الاستسلام، لكنه بقي في مكانه، وقد أطلقت هذه الحركة من التحدي المرحلة النهائية لخطة سرية وخطيرة لطرد مادورو بالقوة، وفي الساعة 10:46 مساءً بتوقيت شرق الولايات المتحدة يوم الجمعة، أصدر ترامب الأمر النهائي للإطلاق.
هذا السرد لـ "عملية العزم المطلق"، وهي أجرأ عملية عسكرية خلال أي من فترتي حكم ترامب، يعتمد على مقابلات مع أكثر من اثني عشر مسؤولاً في البيت الأبيض والإدارة والكونغرس، بالإضافة إلى التصريحات العامة.
أرسلت وكالة الاستخبارات المركزية بهدوء في وقت مبكر من أغسطس، وحدة صغيرة إلى فنزويلا بهدف تقديم "رؤية استثنائية"، عن تحركات مادورو، وفق شخص مطلع على الأمر.
حتى حيواناته الأليفة كانت معروفة لوكلاء الاستخبارات الأمريكية، كما قال دان «رايزين» كاين، رئيس هيئة الأركان المشتركة، في المؤتمر الصحفي يوم السبت.
تدرّبت القوات المتميزة لعدة أشهر، مستخدمة نسخة طبق الأصل من مجمع الرئاسة بناءً على المعلومات الاستخباراتية التي جمعتها الولايات المتحدة، كما قال ترامب في مقابلة مع شبكة فوكس نيوز — تمامًا كما تدربت القوات التي قتلت أسامة بن لادن في 2011 على نموذج مجمعه في أبوت آباد، باكستان، وقد تدربوا باستخدام ما وصفه ترامب بـ "مشاعل ضخمة" في حال اضطروا لقطع الجدران الحديدية في غرفة مادورو الآمنة.
في الوقت نفسه، عمل فريق مركزي من إدارة ترامب على المشروع بشكل سري لعدة أشهر، يعقد اجتماعات منتظمة ومكالمات هاتفية ويطلع ترامب على المستجدات، وفق شخص مطلع على الأمر.
وكان هذا الفريق يضم بعض الأشخاص الذين قال ترامب إنهم سيقودون فنزويلا الآن، بما في ذلك وزير الخارجية ماركو روبيو، ووزير الدفاع بيت هيغسيث، ومدير وكالة الاستخبارات المركزية جون راتكليف، ونائب رئيس موظفي البيت الأبيض ستيفن ميلر، حسب ما أفاد المصدر.
زاد ترامب الضغط على مادورو تدريجيًا خلال فصل الخريف، ففي سبتمبر، بدأت إدارة ترامب في اغراق سفن في البحر الكاريبي كانت تزعم أنها تهرّب المخدرات إلى الولايات المتحدة، ومع ذلك، قال خبراء إن السفن كانت تنقل الكوكايين إلى أوروبا، وبالمجمل، استهدفت الإدارة حتى الآن ما لا يقل عن 35 سفينة مزعومة لنقل المخدرات، مما أدى إلى مقتل 114 شخصًا.
وتغيرت مبررات ضرب السفن مع مرور الوقت، فهل كان ترامب يريد تدمير المخدرات فقط، أم النظام الفنزويلي؟
في مقابلة مع مجلة Vanity Fair في نوفمبر، قالت رئيسة موظفي البيت الأبيض سوزي وايلز إن الهدف كان مهاجمة السفن حتى "يستسلم مادورو".
وأضافت في المقابلة أن أي هجوم على الأراضي الفنزويلية سيتطلب موافقة الكونغرس — وهو أمر لم يحصل عليه البيت الأبيض.
وقالت وايلز للمؤلف كريس ويبل: "إذا كان سيأذن بأي نشاط على الأرض، فسيكون ذلك بمثابة حرب، عندها [سنحتاج] إلى الكونغرس".
في الشهر نفسه، اجتازت أكثر حاملات الطائرات تقدمًا في أمريكا، يو إس إس جيرالد ر. فورد، البحر الكاريبي، كجزء من تعزيز عسكري اعتقد ترامب أنه لفت انتباه مادورو.
وقال ترامب في المؤتمر الصحفي: "هناك الكثير من السفن هناك".
غادر ترامب البيت الأبيض لقضاء العطلات في 19 ديسمبر، مع اعتبار مار-آ-لاجو مقراً للتخطيط النهائي، وقد أقر العملية قبل عيد الميلاد، رغم أن اليوم الدقيق لم يكن محددًا، وفق مسؤولين أمريكيين مطلعين على التخطيط.
لم تكن فنزويلا همّه الوحيد، ففي يوم عيد الميلاد، أعلن أنه أمر بشن ضربات على مسلحين في نيجيريا ردًا على ما زعم أنه اضطهاد للمسيحيين.
في حفل ليلة رأس السنة في منزله، مرتديًا بدلة رسمية إلى جانب السيدة الأولى ميلانيا ترامب، سأل المراسلون ترامب عن قراره للعام 2026، فأجاب: "السلام على الأرض".
كانت الهجمة على فنزويلا سرية لدرجة أن التوقيت الدقيق لم يكن معروفًا على نطاق واسع في البنتاغون إلا ليلة الجمعة، وفق ما أفاد به مسؤولان أمريكيان لشبكة NBC News، ويتطلب توقيت مثل هذه العملية العسكرية تنسيقًا أوسع في العادة.
ذهب نائب الرئيس جي. دي. فانس إلى نادي ترامب للجولف في ويست بالم بيتش والتقى به خلال نهار الجمعة لمناقشة الضربات، لكنه غادر قبل بدء الهجوم، احترامًا لمخاوف من أن تحرك قافلة ليلية قد ينبه الفنزويليين إلى الغارة القادمة، وفق ما صرّح به متحدث باسم فانس.
وتأخرت الهجمة لأيام بسبب الرياح وتغطية الغيوم في كاراكاس، لكن يوم الجمعة تحسنت الأحوال الجوية حيث كان القمر مكتملًا، وتوضّح السماء إلى حد كبير — ظروف مقبولة للعمل بالنسبة للطيارين والفرق الهجومية.
كانت المهمة جاهزة، وقال ترامب لقادة الجيش: "حظًا موفقًا والله معكم"، وهي كلمات نقلوها عبر سلسلة القيادة، حسب ما قال كاين.
أمضى ترامب معظم الليل وصباح اليوم التالي في منزله يراقب سير الهجوم.
وأظهرت صورة أصدرتها البيت الأبيض جلوسه على طاولة، يده متشابكة، مرتديًا سترة دون ربطة عنقه المعتادة، مركزًا نظره على ما يُفترض أنه شاشة عرض خارج الإطار، وإلى يساره واقفًا روبيو، وإلى يمينه راتكليف، وجالسًا ميلر وذراعاه متشابكتان، ولم يتم إخطار الكونغرس إلا بعد بدء الهجوم، وقال ترامب يوم السبت إنه لم يرغب في تسريب تفاصيل للمشرعين.
وحلّقت ما لا يقل عن 150 طائرة نحو كاراكاس من 20 قاعدة مختلفة على الأرض والبحر، وشملت الأسطول قاذفات ومقاتلات وطائرات متخصصة في الاستخبارات والاستطلاع والمراقبة، حسب ما قال كاين، وتراوحت أعمار الطواقم بين 20 و49 عامًا.
غطّت الظلمة العاصمة الفنزويلية، واقترح ترامب أن الولايات المتحدة قطعت الكهرباء في كاراكاس لكسب ميزة في المعركة.
وحلّقت المروحيات على ارتفاع 100 قدم فوق الماء، حاملة قوات العمليات الخاصة ومسؤولي إنفاذ القانون الذين اقتادوا مادورو من مقر إقامته، حسب كاين.
وأطلقت طائرات أخرى أسلحة لتعطيل أنظمة الدفاع الجوي الفنزويلية وتمهيد الطريق للمروحيات، أضاف كاين، وظهرت ألسنة لهب من انفجارات في حصن تيونا، وهو مجمع عسكري كبير في كاراكاس.
وبحلول الساعة الواحدة صباحًا بتوقيت شرق الولايات المتحدة يوم السبت، وصل الجنود الأمريكيون إلى المجمع في كاراكاس حيث كان مادورو يقيم ووصفه ترامب بأنه "حصن عسكري محصن بشدة".
وعندما اقتحمت قوات دلتا مقر مادورو، قال كاين إن مادورو وزوجته فُوجئا تمامًا، وحاول مادورو الهروب إلى ما وصفه ترامب بغرفة آمنة فولاذية، لكنه لم يلحق بالوصول في الوقت المناسب، واقتادت القوات مادورو وزوجته سيليا فلوريس إلى الحجز.
واندلعت اشتباكات بعد القبض على مادورو، حسب كاين، وتعرضت مروحية أمريكية لإطلاق نار، ولم يُقتل أي أمريكي، رغم إصابة عدة جنود أمريكيين، وجميعهم بحالة مستقرة، وفق مسؤول أمريكي ومسؤول في البيت الأبيض.
وبحلول الساعة 3:30 صباحًا بتوقيت شرق الولايات المتحدة، كانت القوات الأمريكية قد غادرت البلاد بأمان، حسب كاين، وفي ذلك الوقت، كان الهواء في كاراكاس مشبعًا برائحة البارود والدخان، وحذرت السفارة الأمريكية في فنزويلا المواطنين الأمريكيين هناك بالبقاء في أماكنهم.
وأعلن ترامب الخبر للعالم عبر وسائل التواصل الاجتماعي بعد أقل من ساعة، وكتب: "لقد نفذت الولايات المتحدة الأمريكية بنجاح ضربة واسعة النطاق ضد فنزويلا وزعيمها، الرئيس نيكولاس مادورو، الذي تم، مع زوجته، القبض عليه ونقله خارج البلاد".
وأظهرت صورة نشرها البيت الأبيض صباح السبت مادورو على متن سفينة الهجوم يو إس إس إيوو جيما مرتديًا بدلة رياضية، مقيد اليدين ومعصوب العينين.
وبحلول الساعة 4:30 مساءً بتوقيت شرق الولايات المتحدة، كان مادورو في نيويورك، حيث وصل إلى مطار ستيوارت في نيو وندسور شمال مدينة نيويورك، ورافقه عشرات من مسؤولي إنفاذ القانون وهو يسير نحو الحظيرة، وكان مقرّرًا نقل مادورو وزوجته إلى سجن في مدينة نيويورك لاحقًا في اليوم نفسه، ومن المتوقع أن يمثل مادورو يوم الاثنين أمام المحكمة لأول مرة.
ويواجه مادورو والمتهمون معه بالتآمر محاكمة بسبب مخطط يُزعم أنه "دورة من الفساد القائم على المخدرات تملأ جيوب المسؤولين الفنزويليين وعائلاتهم، وفي الوقت نفسه تفيد الإرهابيين المرتبطين بالمخدرات الذين يعملون دون عقاب على الأراضي الفنزويلية ويساعدون في إنتاج وحماية ونقل أطنان من الكوكايين إلى الولايات المتحدة"، وفقًا لائحة الاتهام.
وأوضح ترامب بعد الضربة، أن "عملية العزم المطلق" لم تكن حدثًا وحيدًا، ولم تكن تهدف فقط للقبض على شخص تعتبره الولايات المتحدة هاربًا، وتشكل الحملة العسكرية تصعيدًا دراماتيكيًا للسلطة الرئاسية، مع محاولة ترامب تشكيل نصف الكرة الغربي وفق نسخة معدلة من سياسة «أمريكا أولاً».
و يُظهر ترامب أنه سيستخدم القوة الصلبة لتعزيز المصالح الأمريكية وتهيئة ظروف مواتية للأعمال، في تحوير لعقيدة مونرو في القرن التاسع عشر، التي نصّت على مجال نفوذ محدد للأمة الأمريكية الناشئة، ووصفها ترامب بـ «عقيدة دونرو».
وقال إن الولايات المتحدة لن تغادر فنزويلا قريبًا: "سنديرها فعليًا حتى يتم تنفيذ انتقال مناسب".
وبالعودة إلى مكالمته الحاسمة مع مادورو، أشار ترامب في المؤتمر الصحفي إلى أن مادورو اتخذ خيارًا سيئًا بعدم الاستماع لأمره، وقال ترامب: "الآن، يتمنى لو كان قد فعل".