بابٌ مغلق.. أين تذهب المرأة اليمنية حين تهرب من العنف الأسري!

الأخبار المحلية
خاص + اليمني الجديد

حين لجأت سلوى محمد، المرأة الثلاثينية من محافظة عدن، إلى قسم الشرطة بعد هروبها من العنف الأسري، أول ما سُئلت عنه لم يكن سلامتها كما كانت تتوقع، بل: "لماذا غادرتِ منزلك؟"

اعتقدت سلوى أن اللجوء للشرطة يضمن لها الحماية، لكن الواقع صدمها بأنها امرأة لا مكان يحتويها إن رفضت العودة.

"قالوا لي ما فيش مراكز، لو ما رجعتيش بيت زوجك، بتجلسي هنا للصبح وبعدها شوفي لك حل"، تقول سلوى التي قضت ليلتها على مقعد حديدي في أحد الأقسام، قبل أن تُجبر في الصباح على الاتصال بأقاربها للعودة "إلى الجحيم"، حسب وصفها.

تضيف سلوى في حديثها لهودج: "لم أكن أطلب سوى غرفة، أي مكان يُغلق عليّ الباب فيه بأمان، لكنهم قالوا لي: رجوعك إلى بيتك أستر لك".

تتشابه قصص كثير من النساء من شرق اليمن إلى غربها ومن شمالها إلى جنوبها، في تفاصيل الألم والخذلان ذاته. تقول الفتاة العشيرينة بثينة سعيد، من مدينة صنعاء "أخبرتهم أن زوجي يهددني بالقتل أمام أطفالي، لكن ردهم كان: هذه مشاكل داخلية، الصبر أفضل لك".

هربت بثينة من منزلها ليلاً بعد تصاعد التهديدات الجسدية، ونامت حتى الفجر في مدخل عمارة غريبة بحسب حديثها.

تقول لمنصة هودج: "طرقت أبواب ثلاث منظمات، قالوا لي ما عندنا مراكز إيواء، روحي لأهلك. بس كيف أرجع وأنا طالعة من عندهم هاربة؟"

على الرغم من وجود مراكز آمنة، مثل التي يديرها اتحاد نساء اليمن عبر خط ساخن في صنعاء، إلا أن الوصول إليها لا يزال صعبًا وغير معروف لدى غالبية النساء.

وأكدت رئيسة الدائرة القانونية في الاتحاد بمحافظة حضرموت، علياء الحامدي، أن المركز الرئيسي في صنعاء ما يزال يعمل ويقدم خدماته.

قانون صامت ومجتمع أعلى من العدالة

في بلد لا يعترف بالعنف الأسري كجريمة، غُيبت مراكز الإيواء وشبكات الحماية، ما اضطر الناجيات للاختيار بين الشارع أو العودة إلى المعنِّف، وسط خوف دائم من الوصمة أو الإعادة القسرية.

وبحسب تقرير لـ"هيومن رايتس ووتش"، الصادر في العام 2021، فإن كثير من النساء اللواتي يبلغن عن عنف أسري لا يتلقين سوى "النصح بالتصالح مع الأسرة.

تقول المحامية والناشطة الحقوقية، هدى الصراري، أن الشرطة ليست مجهّزة للتعامل مع حالات كهذه، وغالبًا ما تُعاد المرأة إلى أسرتها باعتبار أن ذلك "الأصلح".

وأضافت الصراري: "كما أن المنظمات تعمل في نطاق ضيق أو لا تمتلك قدرة الاستجابة الطارئة، خصوصًا في ظل انهيار التمويل وتداخل السلطات الأمنية".

يُلزم قانون الأحوال الشخصية اليمني النساء بالحصول على إذن ولي الأمر في عدد من الإجراءات القانونية، مما يعقّد أي محاولة للنجاة من بيئة العنف.

ومن جهتها، ترى المحامية عفراء الحريري أن القانون اليمني يفتقر إلى نصوص صريحة تُعالج ظاهرة العنف الأسري، إذ تُدرج القضايا ضمن قانون العقوبات العام دون تعريف أو تخصيص.

وهو ما تؤكده المحامية هدى الصراري والتي أضافت لمنصة "هودج" أن القانون لا يراعي طبيعة العلاقة بين الجاني والضحية، ولا يتضمن أي إلزام للدولة بإنشاء مراكز إيواء، مشيرة إلى أن الحماية تُمارس غالبًا من منطلق "الستر" لا كحق قانوني.

عجز بنيوي أو خلل عابر؟

رغم تفاقم مؤشرات العنف الأسري، وتقدير الحاجة العاجلة لنحو 7.1 مليون امرأة في اليمن إلى خدمات الوقاية والمعالجة من العنف القائم على النوع الاجتماعي، إلا أن هذه الخدمات لا تزال محدودة للغاية أو منعدمة في بعض المناطق.

وفي تقييم نشرته الكاتبة راشيل كوك بمقال أكاديمي عام 2020، وُصفت اليمن بأنها "أسوأ مكان على وجه الأرض للمرأة"، نتيجة عوامل تشمل الزواج المبكر والبنية المجتمعية المحافظة. وتحتل البلاد مرتبة متدنية في مؤشرات الفجوة بين الجنسين في العالم

رئيسة الدائرة القانونية في اتحاد نساء اليمن بحضرموت، علياء الحامدي، أوضحت أنه في ظل غياب مركز إيواء في المكلا سابقًا، كانت بعض الحالات تُحال إلى عدن. وأضافت أن دارًا للإيواء افتُتحت لاحقًا في المكلا واستمرّت لعامين، إلا أنها لم تلقَ إقبالًا واسعًا بسبب تحفظ المجتمع الحضرمي تجاه الفكرة.

ومن جهتها، قالت عضو اتحاد نساء اليمن في تعز والقانونية، صباح الشرجبي، في تصريح لمنصة هودج، إن الدولة مطالبة بإنشاء مراكز إيواء بإشراف مباشر، مزودة بخدمات الدعم الصحي والنفسي، وبرامج التأهيل والتمكين الاقتصادي، لضمان استمرارية المراكز واستقلالية النساء داخلهن.

أما عفراء الحريري فتشير إلى تجربة رائدة سابقة لمركز تابع لاتحاد نساء اليمن في عدن، كان مخصصًا لإيواء السجينات المفرج عنهن وأطفالهن، وتقول: "هذه التجربة أُجهضت خلال حرب 2015 حين استولت عليها السلطة المحلية ونهبت محتوياتها مدعية عدم المعرفة، رغم أنها كانت فريدة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا".

وفي بصيص أمل يضيء عتمة الواقع التي تعيشه النساء المعنفات في حضرموت، أشارت الحامدي إلى مشروع جديد بدعم من برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) والحكومة الكورية، لبناء دار إيواء من طابقين في منطقة فوة، يتبع مكتب الشؤون الاجتماعية، وقد تم بالفعل إنزال المناقصة لبدء التنفيذ.

الأبواب المغلقة تُشَرِّع العنف

غياب مراكز الإيواء في اليمن يعكس تجاهلًا ممنهجًا لمفهوم الحماية كحق، وسط منظومة تعتبر الأسرة سلطة مطلقة لا تُسائل، ما يجعل المرأة ضحية لعنف مركب من أفراد ونظام.

تقول المحامية هدى الصراري لموقع "هودج" إن معظم الملاجئ القليلة التي أنشأتها المنظمات أُغلقت بفعل الضغط المجتمعي أو لغياب الدعم الحكومي، بينما ترى بعض الجهات الأمنية أن وجود هذه المراكز "تهديد للسمعة العامة".

في مايو 2024، اقتحمت قوات أمنية مأوى اتحاد نساء اليمن بعدن، وهو الوحيد من نوعه، وخرّبت ممتلكاته ومنعت النساء من الدخول. ورغم السماح الجزئي بعودة الموظفين في يونيو، لا يزال جزء من المبنى تحت سيطرة الأمن، ما يجعله خارج الخدمة فعليًا ولا يوفر الحماية المطلوبة للنساء المعنفات.
وفي هذا السياق، أشارت الحريري إلى أن ضعف قدرات الأجهزة الأمنية، باستثناء قلة مدرّبة، وانعدام الثقة بها، يدفع معظم النساء المعنفات لعدم الإبلاغ.
وتضيف: "في ظل هشاشة الدولة وانتشار السلاح، يستطيع أي مهاجم اقتحام مأوى وارتكاب انتهاكات دون محاسبة، خاصة إذا كان ذا نفوذ أو تابعًا لجماعة مسلحة".
وتعتبر أن معالجة "وصمة العار" تبدأ من إصلاح المنظومة القانونية وسن تشريعات حديثة تفرض عقوبات رادعة. وتتابع: "حين يُطبّق القانون بعدالة، يتغيّر حتى مفهوم العار في الوعي الجمعي"، مشددة على تلازم الإصلاح القانوني مع التغيير المجتمعي.

خطر يهدد الحياة والمستقبل

على الرغم من أن اليمن صادقت على اتفاقية "سيداو" عام 1984 التي تُلزمها بتوفير الحماية للنساء من العنف، إلا أنها لم تضع حتى اليوم قانونًا يُلزم الدولة بإنشاء مراكز إيواء حكومية أو برامج حماية مستدامة.

ترى القانونية الشرجبي أن غياب مراكز الإيواء لا يمثّل فقط فراغًا مؤسسيًا، بل تهديدًا مباشرًا لحياة النساء، مشيرة إلى أن استمرار العنف دون حماية قد يفضي إلى الاستغلال أو الانحراف أو حتى القتل، في ظل انعدام الخدمات الصحية والنفسية والاجتماعية. وأضافت أن المبادرات الموجودة غالبًا ما تُجهَض.

من جانبها، لفتت الصراري إلى وجود ثغرات قانونية خطيرة، أبرزها غياب أوامر الحماية ووحدات شرطية وقضائية متخصصة، ما يترك الضحايا بلا ملاذ ويدفع كثيرات إلى التنازل أو العودة تحت الضغط.

المصدر: عبد اللطيف سالمين / هودج
زر الذهاب إلى الأعلى