نساء الشّقب بتعز.. قصة عطش لا تنتهي
الأخبار المحلية
"أستيقظُ من النوم كل صباح، أودّعُ أطفالي؛ لأني ذاهبة في رحلة لا أدري عودتي منها من عدمها، أحملُ قنّينتي ذات العشرين لترًا، وأخرج مع نساء القرية لجلب الماء في طريق محفوف بالمخاطر، تحت وطأة الخوف والقلق الذي يملأ نفوسنا."
هكذا بدأت حديثها المرأة اليمنية نادية أحمد، البالغة من العمر 40 عامًا، والتي تسكُن مع أولادها الأربعة في خط التماس بين جماعة أنصار الله الحوثيين وقوات الحكومة الشرعية المعترف بها دوليًا، في منطقة الشّقب بـ صَبْر الموادم جنوب/شرق محافظة تعز.
رحلة محفوفة بالمخاطر
منطقة الشّقب تقع في الجهة الجنوبية على سفح جبل صبر بمحافظة تعز، ويقطنها أكثر من عشرة ألف مواطن، بحسب مركز المعلومات والتأهيل لحقوق الإنسان، ويعتمد سكانها على مياه الأمطار بدرجة أساسية وتعيش المنطقة حالة من الحصار مٌنذ بدأ الحرب في منتصف العام 2015، حيث يقع المخزون المائي على أطراف المنطقة ويُمنع المواطنين من الوصول إليه.
منظمة هيومن رايتس ووتش قالت: إن أكثر من 527 عائلة من سكان الشّقب، ومعظمهم مزارعون ورعاة، نزحوا مع بداية النزاع، وقُتل أو أُصيب عدد من العائدين لاحقاً بسبب الألغام، ما أدى لإعاقات دائمة وخسائر في المواشي.
منظمة الأمم المتحدة أوتشا في تغريدة لها على منصة إكس قالت إن: "أكثر من 17 مليون يمني يعانون شح المياه"، مما يزيد معاناة النساء في الحصول على الماء.
ويُعد الحصول على الماء الصالح للشرب في المنطقة ضربًا من المعاناة؛ نتيجة انعدامه في فصل الشتاء وبٌعد المسافة بين البيوت والخزانات، كما أن الحرب والحصار جعل الوصول إليه مغامرة مليئة بالمخاطر، بالإضافة إلى أن الحالة المادية لأغلب الساكنين في المنطقة لا تؤهلهم لبناء خزانات مياه أرضية جديدة لاستغلال مياه الأمطار والاستفادة منها وقت الحاجة؛ أسوةً ببقية المناطق.
معاناة مستمرة
الراصد الحقوقي شهاب الشّقب، قال لمنصة هودج: إن أكثر من ثلاثة ألف ومائة امرأة في الشّقب يعشن معاناة يومية في جلب المياه وتوفيرها لأسرهن، إذ يُمنع المواطنون من الوصول إليها بشكل تام بسبب القنص والألغام المزروعة، مما يجعل الوصول إليها مخاطرة قد تودي بحياتهن.
وليست نادية وحدها من تعيش هذه المغامرة، فهناك الكثير من نساء منطقة الشّقب المحاصرة يقطعن يوميًا مسافة طويلة في طريق متعرج محفوف بالمخاطر، لأكثر من ثلاث ساعات ذهابًا وإيابًا، وفي أوقات مختلفة تحسبًا لأي خطر قد يواجههن في الطريق كما روت نادية.
قصص معاناة
المواطنة حمامة عبده -50 عام - هي الأخرى روت أنها تشارك نساء القرية في قطع طريق محفوف بالمخاطر من أجل الحصول على الماء، وسط خوف دائم من القنص والألغام المزروعة.
وتضيف حمامة لـ "هودج"، في سردها لمعاناتها اليومية مع بُعد المسافة، والطرق الوعرة، والقنص المستمر الذي يهدد المارة، فتقول: "أودع أطفالي كل صباح أتركهم ولا أدري هل سأعود إليهم أم لا، وأحمل بيدي قنّينة الماء سعة عشرين لترًا، وأخرج مع نساء القرية، فالماء لا ينتظر وأطفالنا لا يحتملون العطش".
وبنبرة حزينة تتابع حمامة " في كل مرة أصل بها البيت ومعي قنّينة الماء ممتلئة أشعر أنني انتصرتُ على الحرب بكلها أشعر أني عدت من موت محقق قد حصد الكثير من قبل ممن مروا بهذا الطريق".
المواطنة عفاف محمد وقعت ضحية لغم أرضي كلفها قدمها اليسرى عام 2017، بمعية ابنة عمها دليله التي خسرت هي الأخرى قدميها وهن يجلبن المياه لأسرهن.
وفي ظل أزمة المياه الراهنة تذهب عفاف بقدم واحد وطرف صناعي كل يوم لجلب الماء لتغطية احتياجاها اليومي حيث يبلغ نصيب الفرد السنوي من المياه في اليمن 83 مترًا مكعبًا بحسب منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة
عبء يومي ومخاطر متعددة
النساء دون غيرهن يتحملن عبء جلب الماء في الريف ويعود ذلك إلى أسباب كثيرة أبرزها ثقافة المجتمع المحافظ الذي يرى أن جلب المياه مهنة خاصة بالنساء دون الرجال مما يضاعف المعاناة لديهن.
رئيس اتحاد نساء اليمن – فرع تعز، صباح راجح قالت إن: هذه المهنة الشاقة باتت عبئًا مفروضًا على النساء نتيجة ثقافة مجتمعية خاطئة كرستها الأعراف القديمة، حيث يُنظر إلى جلب الماء باعتباره مهمة نسائية لا تليق بالرجال".
وأكدت أن "هذه النظرة تحتاج إلى تصحيح عاجل من خلال برامج توعية حول مفهوم النوع الاجتماعي وتوزيع الأدوار بعدالة، داعيةً إلى إشراك الرجال في عملية جلب المياه لتخفيف العبء عن النساء، وتغيير القناعات السائدة التي تحصّر المهام المنزلية والخدمية بالمرأة".
وأوضحت "معاناة النساء في ريف تعز عامة لا تقتصر على الشّقب، فغالبية القرى تفتقر لمشاريع المياه، ما يضطر النساء إلى قطع مسافات طويلة وشاقة لجلب المياه من العيون والسدود، وهو ما يعرضهن للإجهاد الجسدي والنفسي، إضافةً إلى مخاطر السقوط في الحواجز المائية أو التعرض للتحرش والعنف أثناء التنقل في الطرقات البعيدة".
وأشارت راجح إلى أن "حمل أوعية المياه الثقيلة يسبب للنساء مشاكل صحية خطيرة، كالإصابة بالانزلاق الغضروفي وضغط الفقرات وآلام مزمنة في الظهر".
الحلول الممكنة
شددت راجح على ضرورة اضطلاع الدولة بدورها في توفير مشاريع مياه مستدامة وتوسيع شبكة الإمدادات لتغطية القرى كافة، لافتةً إلى أن "بعض القرى كانت قد شهدت مشاريع جزئية قبل الحرب، لكنها لم تكتمل".
وطالبت بضرورة تأمين الخزانات والعيون بوسائل سلامة مثل الأسوار والحواجز، لحماية النساء والأطفال من حوادث السقوط، ولفتت إلى أن استمرار الوضع الحالي يُعد شكلًا من أشكال العنف القائم على النوع الاجتماعي، الذي يحرم الفتيات من التعليم ويعرض حياتهن للخطر اليومي.
وختمت راجح تصريحها بالتأكيد على أن "معالجة هذه المشكلة تتطلب تدخلًا متكاملًا من الدولة والمجتمع المدني والداعمين الدوليين، عبر تمويل مشاريع المياه وتبني حملات توعية وتثقيف مجتمعي، للحد من العنف وتحسين واقع المرأة الريفية التي ما زالت تدفع ثمن أعراف مجحفة وواقع خدمي متدهور".
تم إنتاج هذه المادة بمنصة هودج