سوق "العند".. "جمهورية الفوضى" التي تُدار بالتطوع وتُستثمر بالذرائع

الأخبار المحلية

عبد الرحمن المسعودي + خاص

في عمق الجغرافيا الرابطة بين المحافظات اليمنية، تقف "العند" كشاهد عيان على أغرب نموذج للإدارة الحضرية في العصر الحديث. هنا، حيث يلتقي الاقتصاد بالزحام، وتتقاطع مصالح المسافرين بمطامع "الأشباح"، تحول الشريان الداخلي إلى ساحة مفتوحة للاستثمار في المعاناة، وسط مشهد لا يمكن وصفه إلا بـ "الملهاة المأساوية" التي يدفع ثمنها المواطن من أعصابه ووقته.

المرور "المتطوع".. والسيادة المفقودة

تتجلى قمة السريالية في العند حين تكتشف أن "الدولة" في هذا الشريان الحيوي، الذي يمر عبره الآلاف يومياً، ممثلة بخمسة أفراد فقط؛ معظمهم ليسوا موظفيين رسميين، بل متطوعين مدفوعين بالحاجة أو التعاطف، لا تربطهم بإدارة المرور في المحافظة صلة وظيفية. هؤلاء القلة، الذين يحاولون بجهود بدائية فك اشتباك آلاف المركبات، باتوا يعتمدون في معيشتهم على "نبل" المارة وما تجود به أنفسهم من ريالات معدودة مقابل تسهيل عبورهم. إنه مشهد يختزل غياب مؤسسات الدولة، حيث تُرك أهم تقاطع استراتيجي لجهود "الصدقة" وعفوية المتطوعين، بينما تنأى الجهات الرسمية بنفسها عن هذا العبث اليومي.

تأجير "الإسفلت"حين يصبح الشارع ملكية خاصة

وبينما يصارع المتطوعون والمسافرون لفتح ثغرة في الزحام، تبرز الحقيقة المرة التي يتهامس بها الجميع: الشارع العام ليس ملكاً للجمهور، بل هو "عقار مؤجر"! ففي العند، لم يعد الرصيف مساحة للمشاة، بل تحول الإسفلت نفسه إلى مساحات استثمارية تُؤجر للبسطات والعشوائيات بعقود "غير مرئية" ولكنها نافذة المفعول. هذه البسطات التي تنهش جسد الطريق العام لم تزرع نفسها صدفة، بل هي نتيجة لعملية "تسكين" منظمة تدر أموالاً طائلة لجهات مجهولة، حوّلت حق المسافر في الطريق إلى سلعة تُباع وتُشترى، ليصبح الازدحام هو "الحالة الطبيعية" التي تضمن استمرار تدفق عوائد الإيجارات والجبايات.

أجندة "الذرائع".. وما وراء التنظيم الصوري

والمتأمل في تاريخ "الدعوات" المتكررة لتنظيم سوق العند، يلحظ نمطاً مثيراً للريبة؛ فكلما ارتفعت الأصوات بضرورة الإصلاح، جاءت حملات "تنظيمية" خاطفة، سرعان ما يتضح أنها لم تكن تهدف يوماً لفك شفرة الازدحام أو إيجاد حلول مستدامة. بل كانت تلك الحملات، في جوهرها، مجرد "ذرائع" وستائر دخانية للوصول إلى غايات وأجندات أخرى لا علاقة لها بمصلحة المسافر أو هيبة الطريق. لقد أُسيء استخدام ملف التنظيم كأداة للمناورة، بينما تظل الحلول الحقيقية –مثل توسعة الطريق أو تفعيل قوة مرورية رسمية– حبيسة الأدراج، لأن بقاء "الفوضى" هو الضمانة الوحيدة لاستمرار المصالح التي تقتات على هذا الشلل المروري.

خلاصة القول: صرخة في وادي الصمت

إن المعاناة في العند تتجاوز حدود الزحام؛ بل هي مأساة إنسانية تفتك بالمرضى في سيارات الإسعاف، وتستنزف أعصاب المسافرين، وتلوث البيئة.
العند لا تحتاج إلى "حملات دعائية" أو "جبايات جديدة"، بل تحتاج إلى إعادة الطريق للدولة، ووقف مهزلة تأجير الإسفلت، وتحويل تلك الأموال التي تُجمع في الخفاء إلى رواتب لرجال مرور رسميين وصيانة حقيقية لقلب المدينة المنهك.
فهل نرى تحركاً في المستقبل ينتصر للمواطن، أم ستظل العند "بقرة حلوباً" لجهات تتقن فن الاستثمار في الزحام؟

زر الذهاب إلى الأعلى