انقطاع الماء في مدينة تعز عبء جديد على كاهل النساء.

الأخبار المحلية
رفيق العربي +

في حي الحرازية بمديرية صالة، شرق محافظة تعز، تستيقظ أم أحمد (35 عامًا) مع أول ضوء للنهار، ليس لتجهيز أبنائها للمدرسة، بل للانطلاق في رحلة يومية شاقة بحثًا عن الماء من بئر الحرازية.

وبنبرة تختلط فيها القوة بالإنهاك، تقول أم أحمد: "حياتي منذ بداية أزمة المياه صارت مرتبطة بالماء أكثر من أي شيء آخر، أستيقظ الصباح لأُجَهّز نفسي للخروج إلى بئر الحرازية، وأوقِظ ابنتي لتجهيز إخوتها الصغار للذهاب للمدرسة ثم تلحق بي حاملة دبَّات الماء الفارغة التي نعبئها من البئر ثم نعود مُحمَّلات بها على الرؤوس". تتوقف قليلًا لتلتقط أنفاسها، ثم تكمل: "هناك في البئر ننتظر أحيانًا ساعتين أو ثلاث ساعات حتى يأتي دورنا، الشمس تلسع وجوهنا، لكن لا خيار أمامنا. عندما نعود يكون الوقت ظهرًا، وأشعر أن عمري يتسرب في طوابير الماء."

أزمة المياه في مدينة تعز ليست مجرد غياب خدمة، بل هي مكافحة يومية تقع أعباؤها على النساء، مهددةً صحتهن وتعليمهن وأحلامهن. هنَّ خط الدفاع الأول في مواجهة العطش منذ بداية الأزمة.

حلم مؤجل

على بُعد بضعة أحياء من منزل أم أحمد، تجلس إيمان الجرادي (23 عامًا)، وهي أم لطفلة في الثانية من عمرها وحامل في شهرها الخامس، وطالبة كانت تحلم بأن تصبح طبيبة مختبرات. تقول وهي تمسح العرق عن جبينها بعد عودتها من رحلة الماء: "كان يومي يبدأ بالجامعة وينتهي بتكاليفي الجامعية، لكن منذ بداية الأزمة، تغير كل شيء. الآن أستيقظ صباحًا لألتحق بالطابور عند البئر، ننتظر ساعات طويلة وسط ازدحام النساء والأطفال هناك، ثم أحمل دبة الماء الثقيلة على كتفي وأمشي بها حتى يؤلمني ظهري، بالرغم من أن الطبيب المشرف على حالتي منعني من حمل أي شيء ثقيل، حيث أنني حامل في الشهر الخامس".

وتُتابع بنبرة حزينة: "في البداية، كنت أذهب إلى الجامعة، وبعد العودة منها ظهرًا أذهب إلى البئر، لكن الإرهاق صار يُنهكني، فكنت أضطر للغياب كثيرًا حتى أوقفت الدراسة في الجامعة. أشعر أن حلمي يتبخر يومًا بعد يوم، وكلما حملت جالون الماء على كتفي، أشعر أنني أحمل أيضًا همومي ومستقبلي الضائع."

أزمة وقود وضعف تمويل

المدير العام لمؤسسة المياه بتعز، وثيق الأغبري، أوضح في حديثه لمنصة هودج أن الأزمة تتجاوز حدود الإمكانيات المتاحة للمؤسسة، وأن السبب الرئيس وراء الانقطاعات يعود بالدرجة الأولى إلى أزمة الوقود. وأشار إلى أن المؤسسة تتسلم شهريًا كمية لا تتجاوز 50 ألف لتر، في حين تحتاج إلى ما يقارب 120 ألف لتر لتشغيل جميع الآبار بصورة مستمرة. موضحا أن المؤسسة لجأت إلى إجراءات "إسعافية"، مثل توزيع المياه عبر صهاريجها إلى نقاط التوزيع العامة ("السبيل")، وضخ كميات محدودة عبر الشبكة العامة لبعض المنازل. لكنه أكد أن هذه الإجراءات غير كافية لتغطية الاحتياجات، خصوصًا في ظل غياب ميزانية مخصصة للإصلاحات العاجلة من قِبل السلطة المحلية. وكشف الأغبري أن المؤسسة تغطي حاليًا نحو 35% فقط من سكان مدينة تعز. ولفت إلى أن تكلفة توصيل المياه عبر الصهاريج الخاصة تصل إلى نحو 50 ألف ريال يمني لسعة 6 آلاف لتر، وهو مبلغ يفوق قدرة الكثير من الأسر على تحمّله.

وفيما يتعلق بالشكاوى، أشار مدير المؤسسة إلى أن التعامل معها يتم عبر فرق فنية ميدانية، ولكنه لفت إلى أن المؤسسة "لا تملك غرفة عمليات طوارئ خاصة، ويجري التواصل عبر مديري المناطق فقط".

آثار نفسية واجتماعية عميقة

الأخصائي الاجتماعي والعامل في منظمة يمن للإغاثة والتنمية، فتح محمد حزام، يرى أن الأزمة لا تقتصر على نقص المياه فقط، بل تتجاوزها إلى آثار نفسية واجتماعية خطيرة وأن الانقطاع المتكرر يضاعف الضغوط النفسية على النساء، خصوصاً ربات البيوت، اللواتي يشعرن بتوتر دائم وعجز وضغط يؤثر على التوازن الأسري، كما يؤدي نقص المياه إلى تصاعد التوتر داخل البيوت، وأحياناً إلى عنف لفظي أو جسدي، إضافة إلى تفاقم القلق والاكتئاب.
يقترح الأخصائي عدداً من التدخلات العاجلة كإنشاء مراكز توزيع مياه مجانية أو مدعومة، وتوفير وقود للمولدات المشغلة للآبار، وتقديم تحويلات نقدية طارئة للأسر الأشد تضرراً، وإطلاق حملات توعية صحية حول إدارة المياه والنظافة بأقل الموارد.

وعلى المدى الطويل دعا الاخصائي الاجتماعي إلى الاستثمار في البنية التحتية للمياه، ودعم مشاريع حصاد مياه الأمطار، وإدماج النساء في برامج التمكين الاقتصادي المرتبطة بالمياه، وتطوير برامج الدعم الاجتماعي للفئات الأكثر فقراً.

وبين صرخات أم احمد التي ترى أن عمرها يتسرب بين طوابير الماء، وحلم إيمان الذي يتبخر على أبواب الآبار، وتصريحات المسؤولين عن نقص الوقود والتمويل، وتحذيرات الأخصائيين من تبعات اجتماعية خطيرة، تبقى أزمة المياه في تعز شاهداً على معاناة النساء التي لا تنتهي. وحتى يتحول الماء من حلم بعيد إلى حق متاح، يظل الأمل معلقاً على وعود السلطة ودعم المنظمات ومشاريع إنقاذ حقيقية تخفف من وطأة العطش على نساء المدينة وأطفالها.

 

المصدر: منصة هودج
زر الذهاب إلى الأعلى