الخميس، 17 سبتمبر 2026 | الموافق ٤ ربيع الآخر ١٤٤٨ هـ
الأخبار المحلية

جنود في الخطوط الأمامية في المخا يؤكدون تعرضهم للخيانة من قيادتهم.

الحوثيون يشنون هجوماً عنيفاً غرب تعز ويحققون تقدماً في مقبنة.

قالت صحيفة فايننشال تايمز البريطانية إن انهيار القوات الموالية للحكومة اليمنية في الساحل الغربي، والتي كانت تتبع طارق صالح، مكّن جماعة الحوثيين من السيطرة على مدينة المخا والتقدم باتجاه مضيق باب المندب، مشيرة إلى أن مقاتلين اضطروا إلى دفن أسلحتهم في الصحراء، فيما باع آخرون أسلحتهم في الأسواق المحلية، بينما فرّ آخرون بحثًا عن النجاة.

وبحسب الصحيفة، انسحبت القوات الموالية للحكومة اليمنية جنوبًا خلال الليل، فيما أمطر الحوثيون خصومهم بالصواريخ والطائرات المسيّرة، ما فتح الطريق أمام الجماعة المدعومة من إيران للسيطرة على ميناء المخا على البحر الأحمر الأسبوع الماضي، والتقدم نحو مضيق باب المندب، وتعزيز قبضتها على هذا الممر البحري الاستراتيجي.

ونقلت الصحيفة عن مقاتل موالٍ للحكومة، يُدعى حسن، قوله إن مقاتلين اكتشفوا أن معظم رفاقهم كانوا قد فروا بالفعل، ولم يكن أمامهم سوى مغادرة المخا في الليلة نفسها والانسحاب.

وقال حسن، الذي طلب عدم الكشف عن اسمه الحقيقي، إنه ورفاقه، المنتمين إلى قوات المقاومة الوطنية، دفنوا بنادقهم الهجومية من طراز «AK-47» في الصحراء، بدلًا من إجبارهم على العودة إلى خطوط المواجهة، كما تظاهروا بأنهم مدنيون نازحون أثناء توجههم إلى المحافظات الجنوبية الخاضعة لسيطرة الحكومة.

وأضاف: «عندما رأينا أن قادتنا قد فروا وأننا تُركنا ضحايا للحرب، هربنا باتجاه عدن».

وترى الصحيفة أن انهيار القوات في الساحل الغربي زجّ بالسعودية، التي ساعدت في تسليح وتدريب القوات المناهضة للحوثيين، في أزمة جديدة، في وقت تسعى فيه المملكة إلى صد الهجوم الحوثي السريع خلال الشهر الحالي.

وأشارت إلى أن التطورات أعادت إشعال صراع سعى ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان طويلًا إلى إخراج المملكة منه، كما ساهمت، وفق التقرير، في ارتفاع أسعار النفط الخام إلى أعلى مستوياتها منذ منتصف مايو/أيار.

قوات متباينة في مواجهة الحوثيين

وصفت «فايننشال تايمز» الحوثيين بأنهم قوة متماسكة ذات دوافع أيديولوجية، خاضت حروبًا عديدة خلال العقدين الماضيين، وطورت باستمرار قدراتها العسكرية، مع حصولها على دعم عسكري وتقني من إيران.

وأشارت إلى أن الجماعة واجهت لسنوات حملة قصف نفذها التحالف بقيادة السعودية، الذي تدخل في الحرب اليمنية عام 2015، إضافة إلى أشهر من الغارات الجوية الأمريكية بعد بدء الحوثيين مهاجمة السفن في البحر الأحمر عقب اندلاع حرب غزة عام 2023.

وفي المقابل، قالت الصحيفة إن القوات المناهضة للحوثيين تتكون من فصائل متباينة تدّعي ظاهريًا ولاءها للحكومة اليمنية، لكنها غالبًا ما تتنافس فيما بينها.

ونقلت عن محللين تقديرهم أن السعودية كانت تجنّد ما يصل إلى 400 ألف مقاتل يمني قبل الهجوم الأخير، إلا أن التطورات الأخيرة أثارت تساؤلات بشأن فاعلية هذه القوات، بعدما أثبتت القوات المتمركزة على الساحل أنها غير قادرة على مجاراة الحوثيين.

ونقلت الصحيفة عن فارع المسلمي من «تشاتام هاوس» قوله إن هناك «نقصًا في العلاقات، واستهانة بالطرف الآخر، ونقصًا في المعلومات الاستخباراتية، وسوء تنسيق، وضعفًا شديدًا في نظام الاتصالات بين مختلف القوات».

وأضاف المسلمي أن الحوثيين لا يكترثون، وفق تقديره، بالسكان المحليين، وأن الإيرادات التي يحصلون عليها تُنفق على المجهود الحربي.

تراجع الدعم الإماراتي

وقالت «فايننشال تايمز» إن التحالف المناهض للحوثيين تلقى ضربة قوية في بداية العام، بعد سحب الإمارات، الشريك الرئيسي للسعودية في التحالف، قواتها إثر خلاف بين أبوظبي والرياض بشأن اليمن.

وأضافت أن ذلك أدى أيضًا إلى حل المجلس الانتقالي الجنوبي، الذي وصفته الصحيفة بأنه أحد أقوى الفصائل المقاتلة في جنوب اليمن.

وقال المسلمي إن القدرات العسكرية التي تمتلكها الحكومة اليمنية حاليًا هي، وفق تقديره، القدرات نفسها التي كان الحوثيون يمتلكونها قبل سبع أو تسع سنوات.

وأضاف أن الحوثيين موّلوا عملياتهم من خلال استيراد الوقود والغاز من إيران، وفرض الجمارك والضرائب، وشبكات الاتصالات وتهريب المخدرات، واستخدموا هذه الأموال لتعزيز ترسانتهم العسكرية.

مقاتلون يتحدثون عن الانسحاب

وأرسلت الحكومة اليمنية تعزيزات إلى المخا، التي كانت خاضعة لسيطرة قوات المقاومة الوطنية المدعومة سابقًا من الإمارات، إلا أن مقاتلًا مواليًا للحكومة يُدعى «رامي» قال إنه شعر بـ«الخيانة» عندما وصل إلى ساحة المعركة.

وقال رامي، وهو اسم مستعار، إنه بينما كان المقاتلون يقاتلون في الخطوط الأمامية، لم يكن هناك من يدعمهم من الخلف، قبل أن يدركوا أن قادتهم قد فروا.

وأضاف أن بعض زملائه استسلموا للحوثيين، بينما باع آخرون أسلحتهم في السوق وفروا، في حين اختار هو الاحتفاظ ببندقيته الكلاشينكوف، ودفع لمهربين لإرشاده عبر التضاريس الجبلية إلى بر الأمان في محافظة تعز.

السعودية تعيد ترتيب قواتها

وقالت الصحيفة إن الحكومة اليمنية في عدن سعت إلى إعادة تنظيم قواتها وصد الحوثيين، مشيرة إلى أن خطوط المواجهة الحالية على طول الساحل الجنوبي صامدة حتى الآن.

وأضافت أن السعودية كثفت قصفها لمواقع الحوثيين في أنحاء اليمن، فيما أفاد الحوثيون بأن المملكة شنت أكثر من 300 غارة جوية خلال الأسبوع الماضي.

وأشارت «فايننشال تايمز» إلى أن التحالف بقيادة السعودية تمكن في السابق من دفع الحوثيين باتجاه ميناء الحديدة على البحر الأحمر، عندما سيطروا آخر مرة على منطقة باب المندب بعد اجتياحهم جنوبًا مطلع عام 2015 ووصولهم إلى عدن، إلا أن ذلك استغرق أكثر من 18 شهرًا، وأسهم في تفاقم الحرب التي وصفتها الأمم المتحدة بأنها من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.

وفي عام 2018، قالت لجنة من خبراء الأمم المتحدة إن جميع أطراف النزاع ارتكبت انتهاكات قد ترقى إلى جرائم حرب، فيما اتُهم التحالف بقيادة السعودية بفرض قيود على الموانئ والتسبب في مقتل آلاف المدنيين جراء الغارات الجوية.

الهدنة والتصعيد

واتفقت الأطراف المتحاربة على وقف لإطلاق النار عام 2022، في إطار مساعي السعودية للخروج من النزاع المكلف والتركيز على خططها التنموية المحلية.

لكن الصحيفة قالت إن الحوثيين، في ظل ضغوط اقتصادية متزايدة، نقضوا الهدنة في يوليو/تموز من خلال فرض حصار على موانئ المملكة على البحر الأحمر، ومهاجمة ناقلات النفط السعودية، واستهداف منشآتها النفطية.

ويرى محللون، بحسب الصحيفة، أن الحوثيين يتحركون بدرجة كبيرة وفق مصالحهم الخاصة، ويسعون إلى الضغط على السعودية للسماح بحرية حركة المرور في المطارات والموانئ الخاضعة لسيطرتهم، ودفع رواتب العاملين في المناطق التي يسيطرون عليها، ومنحهم حق الوصول إلى عائدات النفط اليمني.

لكن التقرير أشار إلى أن التصعيد الحوثي يتقاطع أيضًا مع مساعي إيران للحفاظ على الضغط على أسواق الطاقة العالمية في ظل حربها مع الولايات المتحدة.

موجة نزوح جديدة

وتواصلت حركة نزوح العائلات التي أجبرتها المعارك على مغادرة منازلها باتجاه محافظات عدن ولحج وتعز، فيما انتهى المطاف بالعديد منها في مخيمات مؤقتة مكتظة تفتقر إلى الخدمات الأساسية.

وقالت الأمم المتحدة إن ما لا يقل عن 125 ألف شخص نزحوا من ديارهم منذ بداية الشهر، بينما تشير التقارير إلى أن نحو خمسة ملايين من سكان اليمن، البالغ عددهم 42 مليون نسمة، نازحون داخليًا بسبب النزاع، وأن قرابة نصف السكان يعانون من انعدام الأمن الغذائي الحاد.

ومن بين النازحين خولة هائل، وهي امرأة في الأربعينيات من عمرها، أُجبرت على مغادرة منزلها للمرة الأولى قبل ست سنوات، وكانت تقيم في مخيم في قضاء جبل حبشي بمحافظة تعز، حيث تتوفر الخدمات الأساسية فقط.

وفرت خولة مجددًا مع زوجها وأطفالها الأربعة مع اشتداد القتال الأسبوع الماضي، حاملة معها ما استطاعت الأسرة حمله، من بعض الملابس وعدد قليل من أدوات المطبخ.

وقالت إن الأسرة لم يكن لديها ما يكفي من الطعام أو الماء، لكنها كانت على الأقل في منطقة آمنة ولديها خيمة تعيش فيها، قبل أن تجبرها الاشتباكات العنيفة على الفرار وترك كل شيء وراءها.

وأضافت أنها تحاول الآن إعادة بناء حياتها في مخيم آخر للنازحين جنوبًا، إلى جانب مئات العائلات الأخرى، معتمدة على مساعدة الآخرين في توفير الطعام لأسرتها.

وقالت: «إذا استمر الوضع على هذا المنوال، مع وصول عائلات نازحة يوميًا دون وجود منظمات تقدم المساعدة، فقد نموت جوعًا».

معارك مستمرة

ولا يزال القتال مستمرًا على طول الساحل، وكذلك جنوب وغرب مدينة تعز، حيث تواجه جماعة الحوثيين مقاومة من القوات الموالية للحكومة، ومعظمها من القوات الموالية لحزب الإصلاح.

وقال أحمد ناجي، المحلل اليمني في «مجموعة الأزمات الدولية»، إن القوات المدعومة من السعودية لا تزال قادرة على مواجهة الحوثيين ودحرهم، لكنه حذر من أن المهمة ستكون شاقة للغاية.

وأضاف أن التحالف الذي تقوده السعودية يمتلك قوات يمنية على الأرض أكثر مما كان لديه عام 2015، لكن الحوثيين أصبحوا أيضًا أقوى، ويمتلكون مواقع أكثر تحصينًا.

وقال ناجي إن السعودية لا تملك خيارات سهلة، مشيرًا إلى أن بإمكانها اللجوء إلى المسار السياسي، إلا أن ذلك سيكون مكلفًا أيضًا، لأن المفاوضات ستجري من موقف أضعف، وفق تقديره.

وأضاف أن الحوثيين سيرفعون سقف مطالبهم نتيجة سيطرتهم على مساحة أكبر من الأراضي، معتبرًا أن ذلك سيؤثر في أي اتفاق سياسي مستقبلي مع السعودية.

المصدر: فايننشال تايمز البريطانية