الحالة كبسي.
سأحدثكم هنا عن عبد السلام الكبسي، الشاعر والأكاديمي والحوزة.عام 2004 حصل عبدالسلام الكبسي على درجة الدكتوراه في الآداب من المغرب.
دارت أطروحته، التي أشرف عليها الناقد والشاعر المغربي محمد بنيس، حول القصيدة عند عبد العزيز المقالح. كابدَ المشرف أسوأ أعوام سيرته الذاتية وهو يحاول أن يصنع من الكبسي باحثاً، فقرر أن ينتقم لنفسه في ساعة عسرة.
في اليوم الموعود، يوم مناقشة الأطروحة، افتتح محمد بنيس الجلسة قائلاً: نلتقي هنا في العادة لكي نناقش العلم، أما اليوم فسوف نناقش الجهل.
حصل عبد السلام الكبسي على درجة الدكتوراه بتقدير: جاهل. ما فعله بنيس، المُشرف، هو تصرف نادر في عرف الأكاديميا في العالم. الذين اقتربوا من عبدالسلام بطريقة أو أخرى، خبروه وجالسوه وقاسموه اللقمة، يتفهمون التصرف الذي أقدم عليه الأكاديمي المغربي المرموق.
ما انتهى محمد بنيس عند هذا الحد. صار كلما التقى أكاديمياً يمنيّاً في محفل علمي يقول له: عبد السلام الكبسي كان أسوأ طالب قابلته في حياتي. من المؤكد أنه رأى في الكبسي أموراً فوق أكاديمية، طبائع وطبيعات جعلته ينفر منه، بل يقرر اغتياله معنوياً. ولولا خجله من عبد العزيز المقالح، الموصي عليه، لركله خارج أسوار الجامعة.
عاد المخلوق الكبسي إلى بلادنا يلوح بالدكتوراه وصدره يكتم هزيمة مدمرة. السلالي المنقع بالكراهية والتعالي حصل على الدكتوراه برائحة الموت. الشهادة التي انتظرها كي ترفعه سرعان ما خفضته وكسرت ناموسه.
نحن هنا لنناقش الجهل، ستلاحقه هذه الكلمات بقية حياته، بل ستفقده صوابه، وربما دفعته ليأخذ وضع المسعور في الأزمنة كلها.
هو الآن في السادسة والخمسين من عمره، جالسٌ في ديوانه يكتب عن تعز: مدينة السوقة والطبّاخين. وعن سكّانها: داعش تتخذ المدنيين دروعاً بشرية. وعن عدن: ذي يشوف ما بيوقع في عدن يقول الحوثي بيدلع تعز. يحتفي بالصواريخ الباليستية التي ترسلها جماعته على المدينة.
يكفي صاروخ باليستي واحد في مدينة مثل عدن، أو تعز، ليصاب جيل كامل من الأطفال بما يسمى في العلوم النفسية Shell shock أو صدمة القنابل، وهي اضطراب نفسي طويل المدى. في العام 1994 سقط صاروخ سكود على جبل صبر، أتذكر الصوت كأنه بالأمس، أتذكر اللحظة، أكتب عنها في رواية في هذه الأيام، عن ذلك الصوت. مرّت ثلاثون عاماً، ولا يزال صوت "الدلع" في ذاكرتي. يجلس الكبسي في ديوانه ويستمتع بوابل الصواريخ التي تنزل على عدن، ويتمنى لو أن جماعته تنهي حفلة الدلع مع تعز وتصب عليها الصواريخ الباليستية.
لديه من التلف في روحه، بل في جيناته، ما يدفعه للقهقهة إلى جوار الأشلاء. ذلك التلف، تلك الروح المسحوقة، هي ما رآه الشاعر الكبير محمد بنيس ببصيرته. رأى الجهل، ورأى ما هو أبعد من الجهل، رأى لعنة ضامرة لا ينبغي لها أن تفلت من إسارها. قرر، في لحظة نادرة، أن يهين الجهل، والمرء لا يقاتل الجهل، بل يتركه ليقتل نفسه. بيدَ أن الجهل الكبسي شيء آخر، جهل يتجاوز حدود ذاته كما سنرى لاحقاً.
صار دكتوراً ثم سرعان ما ملأ الفضاء العام ضجيجاً، طالت أذناه وعلا صوته وبدأ ينتج الدواوين الشعرية التي يعنونها ب: الحُسين، المهدي. كان الجيش اليمني يقاتل في صعدة ضد البؤرة الأولى للجماعة الحوثية، وكان السلاليون في صنعاء يجدون لهم مكاناً واسعاً داخل منظومة الحكم، وعبدالسلام يجني شهرة ونفوذاً متزايدين في أجواء مريبة.
الحكاية التالية ستشرح لنا الكثير مما حدث لاحقاً: طُرحت على المقالح، عام 2006، فكرة تأسيس بيت للشعر اليمني فتحمس لها. تشكلت نواة "البيت" من الأربعة: المقالح، المقري، الحضرمي، ومنصور. جيء بعبد السلام الكبسي ليكون مسؤولاً مالياً.
خلال وقت قصير سيطر عبد السلام على بيت الشعر اليمني وصار هو الرئيس والفريق، ولا يزال يملك بيت الشعر حتى الآن. سألت أكاديمياً يمنياً رفيعاً: كيف حدث ذلك في حضور عبد العزيز المقالح؟ طرحتُ السؤال على شعراء كبار من تلك الحقبة، كانت الحيرة هي الجواب. ابتسم المقالح لرفاقه، قال لهم: لنؤسس مجلة غيمان. ما فعله عبد السلام الكبسي بالمقالح كان نوعاً من رد الجميل لا يقدم عليه سوى رجل أكلت الآفة نخاعه.
تعرفون المثال القائل "هبله واعطوها طبله".هذا هو عبد السلام. ترقّى من جاهل إلى منحط مستدام. بدأ يكتب عن زملائه الشعراء، الذين علموه الكتابة وقدموه في المحافل، واصفاً إياهم بالحسّاسين. صارت الكلمة على لسانه: الحساسين الحساسين. متأخرين فهموا المعنى.
فالرجل يستخدم الكلمة بواحد من معانيها في الدارجة المغربية: المأبونون. لا يبدو أنه تعلم في المغرب أكثر من هذا. اسألوا محمد بنيس، سيخبركم بكلام أوضح من فصيل الربيع: أسوأ طالب مرّ في حياتي الأكاديمية.
العثرة أكاديمية ليست سوءاً محضاً. رأى بنيس مستوى آخر في الرجل: الانحطاط، فقرر أن يكسره. انكسر الكبسي ولم ينكسر انحطاطه. إذا رأيته ترى رجلاً مهشّماً، وسترى أيضاً ثديّاً بالغ الانحطاط. صار نهباً لحطامه، لتلك الجِينة العميقة التي أنهكته ثم قتلته.
عبد السلام الكبسي هو عضو ذكري في هيئة بشر ينطق. إليكم هذه القصة التي تشرح ما أقصده: سيطر الوباء السلالي على صنعاء فامتلأ عبدالسلام بنفسه كما لم يحدث من قبل، صار يتفاسى يمنة ويسرة كأنه مجمرة في قبة.
قال للناس إنه رأى عبد الملك. جائع هو للمكانة، قتله بنيس في لحظة فارقة في حياته، رأيتُ عبد الملك، قال لي عبد الملك. يحاول استنفاذ نفسه. ستلاحقه اللعنة: نحن هنا لنناقش الجهل. أصطاد محمد بنيس أرنباً بمدفعية، فلم يبق منه شيئاً.
وقعت الحرب، ثم طالت الحرب، فذهب وفد الجماعة الحوثية إلى حوار الكويت. ما إن وصل الوفد إلى الكويت حتى كتب عبد السلام الكبسي على صفحته:(يا بني هاشم إن قبلتم بشروط الحوار الكويتي فما أظنكم إلا من سلالة أبي موسى لا من زبّ علي).
وصف أبا موسى الأشعري، في التدوينة نفسها، بالحمار. هو إذن من أير علي، اليمنيون من نسل الأشعري. دمرت السلالة التاريخ اليمني السابق للاسلام، ووضعت لماضيهم سقفاً يتمثل في وصول الهادي الرسي إلى جبال صعدة. اليمنيون الذين يمجدهم التاريخ الاسلامي ستغتالهم السلالة، وستعيد كتابة التاريخ على هذه الشاكلة: اليمنيون من نسل الحمار، السلالة من الأير.
لم يقبل عبد السلام الكبسي الهدنة ولم يعترف بالحوار، فهو أيرُ علي. كان أميناً في انتمائه لنفسه، صادقاً مع خياله، شديد الحماس لحقيقته كَأير. في العامين الماضيين صار يشنّ هجوماً لا على الجماعة بل على أساليبها في الحكم.
حرمته جماعته من المكانة التي يراها لنفسه، فهو كبسي، والكبسي حيوان منوي أدنى في التعريف السلالي. رأى فيه بنيس إنساناً فاسداً، ورأت فيه سلالته حيواناً منوياً قصير التيلة. ما أسوأ هذه المتاهة، لا مخرج منها سوى أن يلقي بنفسه إلى بحيرة من بعر الإبل. ذلك هو الوسط البيولوجي اللائق برؤيته المنوية للعالم وتأويله الخصيوي للتاريخ.
لنأخذ الأمور إلى مكان آخر:
بينما يرى نفسه أيراً للإمام، لا تراه الجماعة أكثر من حشفة. هو الحشفة التي تجاهلتها الجماعة. الرجل الذي حصل على درجة الدكتوراه بتقدير جاهل قاتل يمنة ويسرة، أيد جبريل والشيطان، سعى ودأب وتقّرحت إليتاه ليبلغ المكانة، والمكانة هي الحشفة. مروّع. مروّع. إذ لطالما تخيّل نفسه الشيء كلّه، لا البضع.
تقرأ على صفحته:
"أخي العزيز، اعلم أن قولي سديد. إن ثاني اثنين في الغار هو علي، لأن ثاني اثنين يجب أن يكون من آل البيت". الأكاديمي الذي يعلم الطلبة السيميائية غرق في مهبل التاريخ. واصل العمل على المسألة التاريخية على هذا المنوال، منطلقاً من رؤيته المنوية للماضي، فهو الأير، وهو الحشفة، وهو صاحب السر.
لنعد سنوات عديدة إلى الوراء، إلى العام 2002.
أصدرت دار عبادي الرواية الشهيرة "قوارب جبلية" لوجدي الأهدل. تقدم عبد السلام الكبسي، وكان في الثلاثينات من عمره، باعتراض إلى وزارة الثقافة ضد الرواية ال"مسيئة للدين الإسلامي والأخلاق"، مزوّداً اعتراضه بمقتطفات من الرواية. المقتطفات تضمنت نصوصاً اعتقد عبدالسلام أنها تقلل من شأن السلالة، أو تلمزها. استجابت الوزارة وصادرت الكتاب، كما أغلقت الدار مؤقتاً. تضامن الكتاب اليمنيون مع الرواية والروائي في بيان أدانوا فيه من أسموه ) الواشي المخبر الموتور طائفياً، ومن يقف خلفه). كان الرجل يتبجح في صنعاء على طريقة النعجة في رواية "مزرعة الحيوان"، فهو الدكتور ابن السلالة التي تمسك بمقاليد الأمور تحت الغطاء الجمهوري.
في مزرعة الحيوان، لجورج أورويل، تختالُ النعجة وهي بالكاد تستطيع كتابة اسمها.
فرّ الأهدل من البلاد، وصارت روايته التي ستصدر عن دار رياض الريس إلى واحدة من أيقونات السرد اليمني.
في تلك الأثناء، 2002، كان الحشفة عبد السلام صغيراً، ولكنه بالغ الأثر كحشفة. وكان واضحاً أن جوع الرجل للسلطة والهيمنة ليس له حد، وسيعادي كل المجتمع الثقافي في صنعاء. اليمنيون هم جنس من سلالة الحمار، كما سيقول فيما بعد، ونظراؤه في صنعاء ليسو سوى "حسّاسين"، بالمغربي الدارج. هذا التصنيف النزق سيريحه نفسياً وسيضع ساقاً على ساق ويكتب عن نفسه: أما أنا فمن زبّ الإمام. تقافزت السلالة، على مرّ الأيام، تأخذ من زعيمها. من قال إنه أخذ بلاغته، وقائل أخذ من عقله، وآخر ورث سيفه، إلا عبد السلام. ما أنت يا عبد السلام؟ يجيب: أنا أيره.
جاءت الأيام الخضراء، وتمكنت السلالة من تصفية الجمهورية والسياسة ثم الشعب. بقي الكبسي في مكانه، يطمح للوزارة ولا يجدها، ويرفض الحوار مع اليمنيين لأنهم من أبناء "الحمار أبي موسى الأشعري". هو الآخر الأعلى، هو النطفة والحشفة. تفحش السلالية، كفكرة، في حق أهلها، تعجنهم في هذا المعترك اللزج، القذر، معترك ما بين السرّة والركبة، تصيرهم من بشر بأقدام وأنوف إلى حيوانات منوية. تفعل ذلك حتى بنفسها، انظروا إلى عبد السلام، أرسله المقالح إلى المغرب ليتعلم النقد الأدبي فعاد نطفة. الخلل في مولد التيار، تعلمون ذلك.
الكبسي سعيد بالمكانة، صار إلى حوزة، ويريد أن يكون ثاني اثنين. لماذا لم تصبح وزيراً يا عبدالسلام؟ يجيب: أخبرني السيد أننا آل البيت لم نخلق للدنيا الفانية. وماذا تفعل في صنعاء يا عبد السلام؟ يستدير عبد السلام، يبحث عن جواب. إذا تأمّلتَ عبد السلام من القفا سترى العلامات العشر. ما هي؟ وعلى ماذا تدل؟ إذا قرأتَ رواية "لحن مازوركا على اثنين من الموتى" للأسباني كاميلا خوسيه ثيلا .. ستفهم.
الحقيقة مرّة يا عبد السلام، نعرفها أنت وأنا. عروقك تنتمي إلى الطبقات السفلى داخل السلالة، وأنت من الحيوانات المنوية قصيرة التِّيلة. هذا قدرك، وحكم جماعتك عليك.
آمل أن تداويك هذه الكلمات، فقد كتبتها لصالحك.
د. مروان الغفوري





