الكيان الصهيوني ونظام الملالي: تخادم غير معلن أم عجز استراتيجي؟
تشهد منطقة الشرق الأوسط صراعاً مركباً تتداخل فيه الأبعاد السياسية والعسكرية والأيديولوجية، ليتحول إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية. وفي قلب هذا المشهد يبرز طرفان رئيسيان: الكيان الصهيوني من جهة، ونظام الملالي في إيران وأذرعه الممتدة في الساحات العربية من جهة أخرى.
ورغم الخطاب الذي يرفعه النظام الإيراني حول "الممانعة" ومواجهة المشروع الصهيوني، فإن الوقائع على الأرض تكشف عن مفارقة عميقة: الكيان الصهيوني ينجح، مراراً وتكراراً، في استهداف قيادات بارزة في إيران وأذرعها، سواء في بيروت أو طهران أو صنعاء، ما يطرح إشكالية جوهرية تتعلق بطبيعة العلاقة بين الطرفين، وحدودها بين الصراع الحقيقي والتخادم غير المباشر.
التحليل
تُظهر التطورات المتسارعة أن الكيان الصهيوني يمتلك حرية واسعة في تحديد الزمان والمكان والهدف الذي يخدم مصالحه الاستراتيجية. فالضربات النوعية التي طالت قيادات وشخصيات بارزة داخل بنية النظام الإيراني وحلفائه لا يمكن تفسيرها بمجرد "اختراق استخباراتي"، بل تعكس خللاً جوهرياً في موازين القوى.
ومن الناحية النظرية، فإن من يمتلك هذه القدرة قادر على تهديد النظام الإيراني نفسه أو حتى إسقاطه إذا مثّل خطراً وجودياً مباشراً. غير أن استمرار النظام الإيراني في البقاء، مع قدرته على الاحتفاظ بأذرع فعّالة في الإقليم، يشير إلى وجود معادلة أعمق. هذه المعادلة تقوم على أن بقاء نظام الملالي مشروط بأدوار ووظائف تؤدي، في نهاية المطاف، إلى خدمة أهداف الكيان الصهيوني، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر.
هذا الواقع يثير تساؤلات جوهرية حول جدوى "المقاومة" التي تُرفع شعاراً دائماً من قِبل إيران وأذرعها. فما المكاسب التي تحققت فعلياً ضد الكيان الصهيوني؟ في غزة – التي تُستغل سياسياً وإعلامياً – لم ينعكس هذا الخطاب على ميزان القوى، بل ظلت الأثمان الكبرى تتحملها الدول العربية التي تحتضن تلك الأذرع. من تدمير البنية التحتية إلى التضحية بقيادات محلية بارزة، والنتيجة النهائية هي استنزاف الشعوب العربية وإعادتها عقوداً إلى الوراء.
وعليه، يبدو أن المستفيد الأكبر من هذه المعادلة هو الكيان الصهيوني، الذي يرى في الشعب العربي التهديد الحقيقي لوجوده، ويعتبر أن إضعافه عبر الحروب والفقر والمرض هو الضمان الأمثل لبقائه. وهكذا يتحول نظام الملالي وأذرعه، سواء عبر أفعالهم المباشرة أو باستدعاء ضربات خارجية، إلى أدوات موضوعية تسهم في تحقيق هذه الاستراتيجية.
الخاتمة والتوصيات
يتضح من هذا التحليل أن الخطاب الإيراني حول "المقاومة" لا ينعكس عملياً على توازن القوى، وأن الخاسر الأكبر هو الشعوب العربية التي تُستنزف في حرب لا تحقق لها مكاسب ملموسة. في المقابل، يظل الكيان الصهيوني المستفيد الوحيد من حالة الاضطراب المستمرة، بما يعزز قراءته الاستراتيجية للصراع بوصفه وسيلة لإضعاف محيطه العربي.
ومن هنا يمكن تقديم التوصيات الآتية:
●. إعادة تقييم خطاب الممانعة في ضوء نتائجه العملية، وتفكيك التناقض بين الشعارات والمخرجات.
●. تسليط الضوء على الأثمان الحقيقية التي تدفعها الدول العربية نتيجة هذا الصراع، اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً.
●. صياغة رؤية عربية مستقلة للأمن القومي، تنطلق من مصالح الشعوب أولاً بعيداً عن الأدوار الوظيفية والتوظيفات الإقليمية.
●. تعزيز البحث الأكاديمي والفكري في دراسة العلاقة بين الكيان الصهيوني وإيران، لفهم أبعادها العميقة بعيداً عن السرديات الأيديولوجية.
●. تفعيل وعي سياسي عربي يضع الشعب العربي كعنصر مركزي في معادلة الصراع، لا كحلقة أضعف يتم استنزافها في لعبة إقليمية معقدة.