هل يمكن للأدب أن يكون علماً؟

Author Icon مصطفى راجح

أغسطس 31, 2025

لنبدأ بتعريف الأدب: باختصار، هو التعبير الجمالي عن التجربة الإنسانية بالكلمة، في شكل فني يدمج الفكر بالشعور واللغة بالخيال. الأدب فن بالدرجة الأولى، يعتمد على الإبداع والخيال والجمال اللغوي، لكنه يحمل أيضًا لمسات معرفية حين يعكس فهم الإنسان للمجتمع أو النفس أو الفلسفة، أي أنه تجربة جمالية وفكرية متكاملة.

ما يبدو أحيانًا ملمح ثانوي يتحول في منظور رولان بارت إلى حقيقة دائمة: الأدب كان وسيبقى علمًا. يقول بارت في كتابه هسهسة اللغة:

“الأدب كان دائماً عِلْماً وسيبقى كذلك. وما تكتشفه العلوم الإنسانية اليوم، سواء في علم الاجتماع أو علم النفس أو التحليل النفسي أو اللسانيات، فقد عرفه الأدب منذ الأزل. والفارق الوحيد أن الأدب لم يقل ذلك، بل كتبه.”

كلمة " علم " عند بارت يقصد بها هنا مجموعة العلوم الاجتماعية والإنسانية. وأينما وردت في مقارنتها بالأدب فهي تحيل إلى هذا المفهوم.

هذه فكرة تجبرك على التوقف والتأمل. بارت، أحد أبرز مفكري القرن العشرين، لم يكن مجرد ناقد أدبي، بل سيميائي وفيلسوف للغة والثقافة. كتاباته تتجاوز النقد التقليدي لتشمل تحليل الخطاب، النصوص، الصور، وحتى الحياة اليومية، مؤكّدًا أن الأدب مصدر معرفي للحقيقة الإنسانية، بطريقته الخاصة.

بارت يشير إلى أن الأدب ليس علماً بالمعنى التقليدي، لكنه شكل من أشكال المعرفة. العلوم الإنسانية تعتمد على اللغة لتقديم نتائجها بوضوح وتحليل منطقي، بينما الأدب يستبطن هذه المعرفة ويقدمها بشكل ضمني من خلال الإبداع اللغوي، والشخصيات، والرمزية.
الأدب يُظهر لنا التعقيدات النفسية والاجتماعية دون أن يُفسرها مباشرة، مما يتيح للقارئ أن يعيش التجربة ويفكر فيها، بدلاً من تلقي استنتاج جاهز.

فالفرق بين الأدب والعلم هنا ليس في الهدف، بل في الأسلوب: الأدب يكتب الحقيقة بدلاً من مجرد قولها. إنه يصوغها في تجربة شعورية وفنية، تجعل فهم الإنسان والمجتمع أعمق وأشمل من التحليل العلمي المباشر.
الفرق بين “القول” و”الكتابة” في منظور بارت مهم. “القول” يرتبط بالإفصاح المباشر، بينما “الكتابة” تتسم بالغموض والتعددية، وتفتح المجال للتأويل. هذا ما يجعل الأدب أكثر ديناميكية وثراءً لأنه يقدم المعنى بطريقة غير مكتملة، مما يدعو القارئ للمشاركة في فهمه

مضامين الأدب هي عين مضامين العلم في منظور بارت. لا توجد مادة علمية واحدة لم يعالجها الأدب العالمي في لحظة من اللحظات.

يمكن أن نرى ذلك بوضوح في أعمال دوستويفسكي، الذي كشف في رواياته أعماق الصراع النفسي للإنسان قبل أن يدرسها فرويد علميًا. وهكذا، يصبح الأدب استشرافًا نفسيًا قبل أن يتبلور العلم في تحليله. وفي أفق آخر، نجد ماري شيلي في فرانكنشتاين، التي طرحت أسئلة حول خلق الحياة والتلاعب العلمي بها قبل ظهور علم الوراثة الحديث، مع التركيز على البعد الأخلاقي والاجتماعي لهذه التجارب، ما يجعل الأدب رائدًا في طرح الأسئلة الجوهرية قبل أن يجيب العلم.
أما جورج أورويل في 1984، فقد استشرف بذكاء آليات السيطرة الشمولية على المجتمع والفرد قبل أن تدرس هذه الظواهر في علم الاجتماع وعلم النفس السياسي، مثبتًا قدرة الأدب على كشف القوانين الخفية للسلوك الإنساني والسلطة.

الأدب أيضا منهجي كما هو العلم وله برامجه متغيرة في البحث تختلف بحسب المدارس والعصور. أكثر من ذلك يضيف بارت ان للأدب قواعد في الاستقصاء وله في بعض الأحيان مزاعمه التجريبية. وللأدب اخلاقه كما للعلم اخلاقه ويظهر ذلك على نحو ما في استخلاصه قواعد صناعته من الصورة التي يعطيها لنفسه.

بهذا المعنى، يمكن القول إن الأدب كان وسيبقى علماً، ليس بالمعنى التجريبي المباشر، بل كطريقة عميقة لفهم الإنسان والمجتمع والحياة، يصوغها بالصور، اللغة، والسرد قبل أن تكتشفها العلوم الحديثة.

مصطفى راجح

المصدر: صفحة الكاتب على" الفيس بوك "
زر الذهاب إلى الأعلى