صوت الإنسان أقوى من ضجيج الكراهية

Author Icon الدكتور / نادر السقاف

يناير 8, 2026

في عالم تتسارع فيه الأحداث، وتتعاقب فيه الأزمات حتى تكاد تُقنعنا أن المصائب هو قدر محتوم، يزداد حضور خطاب الكراهية يومًا بعد يوم، يتغلغل في تفاصيل الحياة اليومية، ويُعيد تشكيل وعينا بما يُشبه التسلل البطيء، لكنه عميق.

ومثل بقعة حبر تسقط على قماش أبيض، يوشك أن يُلطّخ كل المساحات النقية في دواخلنا. واليمن، هذا البلد العريق، لم يكن بمعزل عن هذا التيار. بل لعله بات اليوم في قلب معركة لا تُخاض فقط بالسلاح، بل بالكلمات، بالنوايا، وباللغة التي نستخدمها لنُعرّف أنفسنا والآخرين. السؤال الذي علينا مواجهته بصدق: هل لا زال صوت الإنسان فينا قادراٍ على أن يعلو فوق ضجيج الكراهية؟
حين تصبح الكراهية ثقافة يومية¡
لم تعد الكراهية حالة شعورية طارئة، أو انفعالًا فرديًا يُعبّر عن خيبة أمل أو خوف مكنون. بل تحوّلت، في بعض الأوساط، إلى ثقافة يومية، تُروّج لها بعض المنابر، وتُعاد صناعتها في الإعلام، وتُهمس بها المجالس، وتُلقّنها الأحاديث العابرة للأطفال.

هكذا تتحول الكراهية إلى ما يُشبه «الماء الملوث» الذي نشربه دون أن ندري، فإذا بنا نُكرّر العبارات ذاتها، وننظر إلى المختلف بريبة، ونقع في فخ «الفرز» دون أن نسأل أنفسنا: كيف وصلنا إلى هنا؟
الكراهية ليست فقط أن ترفض الآخر، بل أن تفقد القدرة على رؤيته إنسانًا. أن تختصره في انتماء، في جهة، في لهجة، في لقب، في منطقة. أن تنزع عنه ملامحه الخاصة، وتُلبسه ثوب الجماعة التي قررت مسبقًا أن تُعاديها. وهذه الآلية هي ما يجعل خطاب الكراهية خطيرًا؛ لأنه لا يُظهر نفسه دائمًا في صورة سبّه "شتيمة" مباشرة، بل في إشارات، في تعميمات، في نكات، في تجاهل متعمّد لمشاعر الآخرين وآلامهم.
اليمن والتنوع: فرصة أم تهديد؟
اليمن ليس مجتمعًا واحدًا، بل مجتمعات صغيرة تنسج كيانًا واحدًا. لهجات مختلفة، عادات متنوّعة، خلفيات اجتماعية ومناطقية متباينة، لكنها جميعًا ظلّت متماسكة قرونًا رغم التحولات. هذا التنوع ليس عيبًا يجب إخفاؤه، بل كنزًا إذا أُدير بحكمة. وحين يتحوّل التنوع إلى سبب للفرقة، فإن المشكلة لا تكون في التعدد، بل في طريقة النظر إليه.
لم يُدرّبنا أحد على احترام الاختلاف. ولم تُربِّنا معظم مناهجنا ولا بيئاتنا الاجتماعية على تقبّل التعدّد. لذلك حين نواجه المختلف، يكون أسهل علينا أن نُهاجمه من أن نحاوره، وأن نُقصيه من أن نفهمه. وهنا بالضبط تبدأ الكراهية بالتشكّل: من الجهل، من عدم المعرفة، من المسافة التي نتركها مفتوحة بيننا وبين الآخرين.
إن الوطن الذي لا يحتضن تنوّعه، يتحوّل إلى ساحة صراع. بينما الوطن الذي يُكرّم اختلافاته، ويؤمن أن لا غلبة لأحد على حساب الآخر، يبني مستقبلًا لا تفتّته أي ريح.

نحن بحاجة لإعادة تأهيل الوعي الجماعي ليرى في التنوّع اليمني نهرًا تتغذى منه الحياة، لا مجرى للتنازع.
دور الإعلام والنخبة: بين بناء الجسور والتحريض
في هذه المساحة، لا يمكننا الحديث عن التغيير دون التوقف عند دور النخبة، والمثقفين، والإعلاميين.

هؤلاء هم من يصنعون المفردات التي تُستخدم في الفهم أو في الاتهام. هم من يملكون القدرة على التأثير، سواء بالبناء أو بالهدم. الكلمة هنا ليست حيادية، ولا يمكن التعامل معها كأنها تمرّ دون أثر.
للأسف، تحوّلت بعض المنابر إلى مسارح للصراخ، وأصبح الإعلام في بعض نماذجه المعاصرة يعمل كأداة اصطفاف لا مساحة تنوير. الخطاب الإعلامي المشحون يضخّم المخاوف، ويُضفي على الخلافات طابعًا وجوديًا، ويُحوّل الخصوم إلى أعداء. ومع الوقت، تتسلل هذه اللغة إلى الشارع، إلى العائلة، إلى المدرسة، حتى تصبح هي القاموس الذي نُدير به حياتنا اليومية.
لكنّ في المقابل، هناك من لا يزال يُراهن على العقل، على اللغة المهذبة، على الكلمة التي تُضمّد لا تُمزّق. وهناك إعلاميون ومثقفون يكتبون من منطلق إنساني، يُذكّرون الناس بما يجمعهم، لا بما يُفرّقهم، ويدافعون عن حرية التعبير لا حرية التحريض. هؤلاء، رغم أنهم أقل ضجيجًا، هم البذور التي ستُثمر يومًا، إن نحن حافظنا عليهم، وشجّعناهم، وأعطيناهم المنصة التي يستحقونها.
الفرد أولًا: الإنسان قبل الانتماء
واحدة من أعنف نتائج خطاب الكراهية أنه يُلغِي الفرد، ويختصره في هويته الجمعية. فجأة، لا يُرى الإنسان بوصفه ذاتًا مستقلة، لها قيمها ومواقفها وتجربتها، بل يُرى فقط كـ«ابن هذه المنطقة» أو «تابع لذلك المذهب أو الفكر». وبذلك، يُصبح هدفًا مشروعًا للاتهام أو الإقصاء، لا بسبب فعله، بل بسبب انتمائه المفترض.
نحتاج أن نُعيد الاعتبار للإنسان، للفرد ككائن متفرد لا يُختزل في جماعته. أن نحاكم السلوك لا الأصل، ونُقيّم القيم لا الخلفية. أن نقبل أن كل مجتمع فيه خيّرون وسيئون، وأن لا أحد يملك امتياز الأخلاق وحده، ولا أحد يحتكر الحقيقة المطلقة.
حين نُعلّم أبناءنا أن يحكموا على الناس بما يفعلون لا بما يُشاع عنهم، نكون قد بدأنا التغيير من جذوره. وحين نكفّ عن إطلاق الأحكام العامة، وعن التصنيفات الجاهزة، نمنح أنفسنا فرصة حقيقية لبناء مجتمع يتّسع للكل.

من أين يبدأ التغيير؟

قد يبدو التغيير مطلبًا مثاليًا، أمام واقع متخم بالانقسامات والجراح. لكن التجربة الإنسانية تُثبت أن المجتمعات لا تنهض دفعة واحدة، بل تنهض بفرد يرفض الصمت، وبكلمة تُقال في وجه التيار، وبموقف صغير يُراكم أثرًا بمرور الوقت.
التغيير يبدأ حين نُقرر ألا نكون أبواقًا لأي خطاب يُقصي. حين نُراجع ما نُشارك به في وسائل التواصل، ونتساءل: هل هذه الكلمة تُلائم ضميري؟ هل تُضيف شيئًا نبيلًا للعالم؟ هل تُقرّب بين الناس أم تُباعدهم؟
التغيير يبدأ حين نُربّي أبناءنا على قيم الاختلاف الرحيم، وعلى تقبّل الآخر لا لأننا نتفق معه، بل لأننا نحترم حقه في أن يكون كما هو. حين نُعلّمهم أن الحبّ لا يُمنح بناء على التشابه، بل لأنه فعل إرادي يصنع السلام في الروح قبل أن يصنعه في الوطن.
نحتاج إلى زلزال هادئ يكون السبب في التغيير في السلوك، في الإعلام، في التعليم، في خطاب النخبة، في الحياة اليومية. لا نريد شعارات، بل تفاصيل مختلفة: حديث أقل حدّة، إعلام أكثر مسؤولية، أقلام تُضيء لا تُحرّض، وقبل كل شيء، قلوب لم تفسدها الكراهية بعد.
فلنُراهن على ما هو أسمى
إن اليمن يستحق أن يُروى بلسانٍ جديد، لا تُثقله خطابات الشحن، ولا تُحرّكه المصالح الضيقة. يستحق وطنًا يُبنى على الإيمان بالإنسان، وعلى شراكة تجمع الجميع في مشروع الحياة، لا صراع يستهلك الطاقات في جلد الذات وتمزيق الآخر.
في النهاية، الكراهية ليست قدرًا. بل قرار. والتمادي فيها إدمان. لكن الإنسان، في لحظة صدق، قادر على أن يستعيد ذاته، وأن ينحاز لما يُشبهه: الكلمة الطيبة، اليد المفتوحة، العين التي ترى الإنسان قبل كل شيء.
دعونا لا نُعوّد أرواحنا على الضجيج. لا نُعلّم أبناءنا لغة الحقد. لا نجعل الكراهية عادة، والنيل من الآخر بطولة. فالأوطان لا تُبنى بالشك، ولا تُحمى بالخوف. بل تُبنى حين نُراهن على ما هو أسمى: الإنسان، في وجه الكراهية. والحوار، في وجه التحريض. والمستقبل، في وجه الانغلاق.
ما من طريق أصعب من طريق المصالحة، لكنه الطريق الوحيد الذي يصل بين جميع الأطراف. فليكن صوت الإنسان فينا أعلى من كل الضجيج.

 

زر الذهاب إلى الأعلى