السلطة واحدة والهم واحد
لا أحد سيأتي من الشمال ليحكم الجنوب؛ سواءً كانت عدن أو حضرموت أو أبين أو الضالع أو غيرها. فالأمن قادته وجنوده وضباطه من أبناء هذه المحافظات أنفسهم، وقادة الوحدات العسكرية منهم وإليهم ينتمون.
قلناها مرارًا وتكرارًا: لن يعود أحدٌ إلى "باب اليمن"، ولن تعود محافظات اليمن إلى عهد الهيمنة القديم .
نحن الآن إزاء واقع جديد، فرضته الارادة والرغبة والتضحية ، وعزّزه الواقع والمنطق والتاريخ ، وجسده حراك وثورة ونتائج مؤتمر الحوار الوطني، وتكلل بحرب شعواء وتحوّلات وتضحيات مهولة وجسيمة لا تزال مستمرة حتى هذه اللحظة.
فكفّوا عن ترديد أسطوانة ما بعد حرب 1994، فلا احتلال ولا هيمنة ولا إقصاء . كفّوا عن النواح والندب، ووجّهوا طاقاتكم نحو تقديم الخدمات وضمان المرتبات وتحقيق التنمية والعدالة والأمن والاستقرار .
كفاية شعاراتٍ فارغة وخطبًا مجوفة وعبثًا يكرّس الفوضى . هذا وطننا وهذا شعبنا، وهؤلاء أنتم واولئك نحن ، فلا أحد سيأتي من موزمبيق أو من بلاد الغال كي يتحكّم بمصائرنا ومقدراتنا .
المحافظون والوزراء منا ، ومديرو الأمن منا ، وقادة وأفراد الشرطة والجيش منا وإلينا . فلا مكان للكذب ولا للتضليل، ولا لمزيد من جلد الذات ولا للمغامرات غير المحسوبة ولا للمزايدات العقيمة.
الراية واحدة ، والسلطة واحدة، والهم واحد . الجميع معنيّ ببناء دولة يمنية اتحادية فيدرالية، دولة عادلة ومنصفة للجميع، جنوبًا وشمالًا .
دولة لوطنٌ يسع الجميع ، دولة تضمن كرامة الإنسان وتصون حقه في الحياة والازدهار والرفاهية والحرية أسوة بشعوب فاقت ونهضت وازدهرت معيشيًا وإنسانيًا واقتصاديًا .
فبدلًا من استحضار جراح الماضي، فلنصنع معًا أمل المستقبل . الأوطان لا تبنى بالقوة الغاشمة ولا بالجبروت ومنطق الإخضاع المُذل ، بل بالإرادة الصادقة، والعمل الدؤوب، والعدل الشامل .
هذا هو وقت استعادة الدولة اليمنية ، زمن الانتقال السياسي الحقيقي الذي نروم ونتطلع فيه لدولة اتحادية قائمة على أسس صحيحة وراسخة ، دولة مغايرة لما ساد ماضيًا ، جوهرها العدالة والمواطنة المتساوية واحترام الرأي وصون كرامة وحق الإنسان .
الحاضر هو ابن الماضي وأب الغد ،وتعلُّقنا بالماضي المؤلم ليس إلا حِملاً ثقيلًا نورثه لأبنائنا وأحفادنا ، ومسؤوليتنا تجاه وطننا وشعبنا ليست رفاهية، بل هي واجب تاريخي ووطني .
وإذا أردنا غدًا أفضل، فعلينا أن نتحرر من أغلال الماضي المكبلة لأيدينا وأفكارنا وطاقاتنا ، كما وينبغي لنا الان قطع هذه الحلقة المفرغة من الألم .
فمن أجل الحياة الكريمة والمستقرة لنا وللأجيال المقبلة يجب أن نتحلى بالشجاعة والجرأة ، وأن نتخلّى عن أنانيتنا وتشبّثنا بمفاهيم وأشخاص وتواريخ لم تعد تخدم سوى الحقد والكراهية والانقسام .
لنترك الماضي للذاكرة والتأريخ، ولنترك الجدل حوله لأصحاب الاختصاص من الباحثين والمؤرخين ، ولنوجه طاقاتنا جميعًا نحو أفق واحد: بناء مستقبل يبدأ من هذه اللحظة الفاصلة ، فكل خطوة اليوم هي لَبِنة في صرح الغد .
وليس الغد حلمًا بعيدًا ، بل هو وعد نصنعه الآن، معًا ، بإرادة قوية وعزيمة لا تعرف الكلل ، وبقلب واحد ينبض بالحب والتفاؤل والمسؤولية ، فالغد لن يأتي هبة من أحد أو منحة من دولة ، وإنما يتحقق بقلوب متسعة وعزائم متحدة ، وبأيدينا جميعًا وبلا استثناء ...