هي المشاريع السياسية التي ستحضر في مؤتمر الحوار الجنوبي؟
نمَا وتعلّق المجلس الانتقالي على نحوٍ استثنائي في فترة وجيزة قياسًا بعمر الحركات السياسية أو الاجتماعية، ثم شرع يذوي-مجازاً- وعلى الوتيرة الاستثنائية نفسها.
وللتعبير عن هذا التحول صعودًا وهبوطًا، يتوجب علينا أن نستعير من الطبيعة شيئًا.
فليس ما يشبه هذا النمو ثم الزوال – مجازًا – إلا نمو فطر الطربوش الحبري أو قبعة الحبر، التي تنمو في ساعات ثم تقتلعها زلّة قدم.
لكن من الضروري أن نُمعن النظر في هذه المسيرة من أجل فهم لماذا أخذ المجلس الانتقالي هذا المسار التصاعدي السريع، واستيعاب كيف يمكن أن يدور حوار جنوبي–جنوبي خلاق وجالب للسلم الاجتماعي في محافظات الجنوب والشرق، ويصنع نقطة تحول في الوعي الجمعي، وبناء الهوية لليمنيين على النحو الذي يضع حداً للمتاجرة بالقضايا الجهوية وإعادة تعريف جهات اليمن وبالطبع تحقيق استقرار اليمني وضمان أمن واستقرار المنطقة.
إذا نظرنا في مسيرة هذا المجلس سنجد أنه نشأ على أرضية احتجاجية تمتد منذ 2007. وقد أخذت هذه الأرضية الاحتجاجية في التمدد والتشكل من القانوني الى السياسي، وخاضت معركة طويلة من العمل السلمي السياسي إلى أن حازت قبولًا ومشروعية من حيث القضايا التي تبنتها والمنهج الذي سلكته.
ولم يكن من السهل توحيد صف الشارع المحتج على التهميش والإقصاء وسوء ادارة دولة الوحدة حينها في تلك الفترة.
كان العام 2011 منعطفاً أساسياً في هذه الحركة التي انتقلت من الهامش المديني كونها كانت ذات ثقل أكبر خارج مدينة عدن إلى بناء مركز مديني داخل عدن وبالتالي أخذ صوتها نطاقا اكبر ومركزية مدينية. بل أنها فرضت صوتها على الصوت المديني في عدن ونتذكر أنها في تلك الفترة استطاعت أن تمارس السلطة الرمزية بأنها أعاقت عملية انتخابات عبد ربه في بعض الدوائر عدن
لكن منذ عام 2017 اختطف المجلس الانتقالي هذا المسار الاحتجاجي الطويل، الذي كان بين عدة اتجاهات تتمثل في تصحيح مسار الوحدة، أو استعادة الحقوق والمظالم، أو استعادة دولة الجنوب.
وفي العام 2015 كانت دولة اليمنيين قد قُوضت على النحو الذي جعل ما تبقى منها في محافظات خارج هيمنة الجماعة الحوثية عبارة عن شكل لا يحتوي على جوهر، لا بالمعنى السلطوي ولا بمعنى القوة أو السلطة.
فقد أجهز الحوثي تمامًا على الدولة اليمنية، حتى إن التشكيلات العسكرية المحدودة التي بقيت في محافظات الشرق لم تكن تملك من أمرها شيئًا.
2/2
وبسبب الشلل الذي ضربها في القلب في السلطة المركزية، فإن الانتقالي تمدد في مكان لا توجد فيه سلطة مضادة،
بل إنه من خلال التعاون في استخدام مرتزقة وتسيير عمليات اغتيالات وتصفيات بشعة، والاستثمار الكامل في قضية مكافحة الإرهاب، اجهز على أي صوت معارض.
وبهذا كان يتمدد في أرضية لا يوجد فيها أحد سواه، والدليل أنه تمدد شرقًا بقوة عسكرية من منطقة هائلة تشكل نصف مساحة اليمن اليمن في غضون يومين دون مواجهة. وبهذا لم يكن يواجه الانتقالي إلا نفسه على الصعيد العسكري.
لكن الشلل الحقيقي الذي أصيب به اليمن بسبب الانقلاب الحوثي الذي بدأ منذ عام 2014 كان في اجهاض للمشروع السياسي، وتقويض الفكرة المتبرعة المتمثلة بالأقاليم والتي لم تصل إلى حالة بلورة حقيقية.
لذا، عندما تمدد الانتقالي كان يتمدد عسكريًا دون أن يجد أحدًا أمامه، حتى إنه اخترع خصمًا غير موجود باسم الاحتلال، بينما لا توجد أي قوة أخرى. وتمدّد سياسيًا من خلال منطقة فراغ، منع تكوين أي قوة مضادة أو أُفرغت من أي مشروع مضاد.
باختصار ، تحوّل من حركة احتجاج إلى جبهة مسلحة، وبما أن الانتقاليين لم يحابهوا أحدًا، توسعوا وتعدّوا الخطوط الحمراء سعودياً، فانتهت حركتهم المسلحة.
غدًا، عندما يُعقد الحوار الجنوبي–الجنوبي، من سيقابل من؟
ماذا سيقولون؟
مع من سيتحاور ما كان يسمى بالانتقالي؟ أو مع من سيتحاور أنصار فكرة الانفصال؟
سيتشاورون مع أنفسهم، لأنه لا توجد مشاريع أخرى مناقضة أو مناهضة.
ربما حان الوقت لبقية القوى في محافظات الجنوب والشرق ،أن تنظم نفسها وتبني فكرة سياسية تمثل امتداداً واسعاً من الطيف المختلف.
وبالتأكيد ستحضر فكرة شعب الجنوب أو حق الانفصال في هذا الحوار، وبالتالي أمام هذا الرأي المتطرف لا بد أن تحضر رؤية جنوبية أخرى تتمثل بالمحافظة على دولة الوحدة، إلى جانب تبلور رؤى أكثر متانة وواقعية، مثل الفيدرالية أو نيل كل محافظة سلطة واسعة من السلطات المحلية بما يجعلها ولاية، طالما يتعثر بناء الفيدرالية الان.
ينبغي الاستعداد الكامل لمؤتمر الحوار من خلال تقديم ثلاث إلى أربع رؤى في آنٍ واحد.
ربما المحافظات الشرقية، سيما حضرموت، استطاعت في الفترة السابقة أن تقدم مشروعاً خاصاُبها، لكنه مشروع يقوم على النقائض:
فإما أن تبقى حضرموت إقليماًفي إطار دولة الوحدة، أو تكون دولة خاصة بها.
لكن هذا المشروع رغم حديته ومناورته غير المجدي في كبح الانتقالي، بقدر ما يبدو في ظاهره مواجهة لفكرة الانفصال الانتقالية أو طريقة الضم، التي كان يريد أن ينفذها الانتقالي، لا يساعد على بلورة فكرة حقيقية في إطار حوار جنوبي–جنوبي.
أعود وأطرح أسئلتي : مع من سيتناطح الانفصاليون؟
وهل سيتكرر الفراغ السياسي، الذي شهدته محافظات الجنوب والشرق منذ عشر سنوات؟