الرئيس العليمي رجل المرحلة
ليس من المبالغة، ولا من باب المجاملة، أن يُقال إن فخامة الرئيس الدكتور رشاد محمد العليمي يمثل إحدى الشخصيات الاستثنائية في التاريخ السياسي اليمني الحديث.
فالحديث عن رجل دولة بحجمه وخبرته لا يُعد ترفاً إعلامياً ولا اصطفافاً مصلحياً، بقدر ما هو شهادة حق تُقال في زمن كثرت فيه الالتباسات وندر فيه الإنصاف.
أكتب هذا المقال بعيداً عن أي علاقة شخصية، ودون معرفة سابقة بالرجل، فلم أطرق باب مكتبه يومًا، ولم تكن لي معه أي مصلحة خاصة.
ما يدفعني للكتابة هو الإيمان بأن من واجبنا، أخلاقياً ووطنياً، أن نُنصف من يستحق، وأن نقول كلمة الحق مهما كانت الظروف.
الدكتور رشاد العليمي ليس طارئاً على المشهد السياسي، ولم يكن نتاج لحظة عابرة أو تسوية مؤقتة، بل هو رجل دولة تدرّج في مواقع المسؤولية عبر مسيرة طويلة امتدت لعقود.
بدأ أكاديميًا في جامعتي صنعاء وتعز، ثم انتقل إلى العمل الأمني والإداري، فتولى منصب مدير أمن محافظة تعز، ثم رئيس مصلحة الهجرة والجوازات والجنسية، ووزيرًا للداخلية، ونائبًا لرئيس مجلس الوزراء لشؤون الدفاع والأمن، وصولًا إلى رئاسة مجلس القيادة الرئاسي. هذه السيرة وحدها كفيلة بأن تعكس حجم الخبرة والتجربة التي راكمها الرجل، وأن تفسّر قدرته على التعامل مع أعقد الملفات السياسية والأمنية.
حين تم اختياره رئيسًا لمجلس القيادة الرئاسي بموجب اتفاق الرياض في السابع من شهر ابريل من العام 2022، قبل الدكتور العليمي هذه المهمة الثقيلة في وقت كانت فيه البلاد تمر بأكثر مراحلها تعقيداً.
لم يكن بحاجة إلى المنصب، لكنه تحمّل المسؤولية في ظل أوضاع سياسية هشة، وانقسامات داخلية حادة، ومشهد أمني واقتصادي بالغ التعقيد.
ومع ذلك، حاول منذ اللحظة الأولى لملمة الشتات، وتوحيد الصف، وإعادة الاعتبار لمفهوم الدولة، فبدأت الأوضاع تشهد قدرًا من الاستقرار النسبي.
حرص الرئيس العليمي على التواجد في الداخل، وسعى لإطلاق إصلاحات اقتصادية وإدارية، غير أن طريقه لم يكن معبّدًا. فقد اصطدم بسياسة الأمر الواقع التي فُرضت بالقوة، وتحديداً من قبل المجلس الانتقالي الجنوبي، الذي استمر لسنوات في فرض التزامات مالية ضخمة تُصرف خارج إطار الدولة، وتفرض بقوة السلاح، الأمر الذي قيد قدرة الحكومة الشرعية على إدارة الموارد وتوجيهها لخدمة المواطنين.
ورغم كل الضغوط، تحمل رئيس مجلس القيادة الرئاسي تلك التحديات بصبر ومسؤولية، إيمانًا منه بأن وحدة الصف هي المدخل الحقيقي لمواجهة المشروع الانقلابي الحوثي، واستعادة الدولة والجمهورية.
غير أن التصعيد الذي انتهجه المجلس الانتقالي لاحقًا بلغ مستويات خطيرة، تمثلت في تحشيد الشارع بالأموال المنهوبة، ومحاولات فرض واقع سياسي وعسكري جديد بالقوة، وصولًا إلى محاولات خطيرة استهدفت رأس الدولة، في سابقة كادت أن تدفع البلاد إلى هاوية الفوضى الشاملة.
في خضم تلك الأحداث، انتقل الرئيس العليمي إلى الرياض حاملاً معه رؤية واضحة وصادقة لحقيقة ما يجري في الداخل، موضحاً حجم التعقيدات والتدخلات الخارجية التي كانت تهدف إلى تفجير الوضع من الداخل، واستهداف أمن المنطقة برمتها.
وقد وجدت هذه الرسالة آذاناً صاغية لدى قيادة المملكة العربية السعودية، حيث التقى بولي العهد الأمير محمد بن سلمان، الذي استمع بتأنٍ، واطّلع على تفاصيل المشهد، لتبدأ بعدها مرحلة جديدة من التعاطي مع الأزمة.
وقد أثبتت تلك المرحلة أن الرئيس العليمي لم يكن مجرد ناقل للأحداث، بل صانعًا للمواقف. إذ أعادت المملكة ضبط البوصلة، وتعاملت بحزم مع محاولات فرض الأمر الواقع، وتم اتخاذ إجراءات أعادت التوازن، وأوقفت الانزلاق نحو الفوضى، ورسخت من جديد مبدأ الدولة والمؤسسات.
وفي السياق ذاته، طرح الرئيس العليمي رؤية شاملة لمعالجة الاختلالات، تقوم على الحوار، وإعادة تنظيم المشهد الجنوبي ضمن إطار وطني جامع، بعيداً
عن منطق السلاح والابتزاز السياسي. وقد عكست هذه التوجهات شجاعة سياسية نادرة، وإصراراً على أن لا أحد فوق الدولة، ولا مشروع يعلو على مشروع استعادة الجمهورية وبناء اليمن الاتحادي الآمن والمستقر.
إن الحنكة السياسية التي يتمتع بها الدكتور رشاد العليمي لم تأتِ من فراغ، بل هي نتاج تراكم طويل من الخبرة الأكاديمية والأمنية والسياسية. فهو رجل يجمع بين عمق الفهم، وهدوء القرار، ووضوح الرؤية، والقدرة على المناورة السياسية دون التفريط بالثوابت الوطنية.
لقد استطاع الرئيس العليمي، خلال فترة زمنية وجيزة، أن يجنب اليمن واحدة من أخطر المؤامرات التي كانت تستهدف تفجير الداخل، وإغراق البلاد في فوضى لا نهاية لها، وجرها إلى صراعات إقليمية بالوكالة.
وتعامل مع هذه التحديات بعقل الدولة، لا بردود أفعال آنية، واضعاً مصلحة اليمن وأمن محيطه الإقليمي في مقدمة أولوياته.
من هنا، فإن الثقة بهذا الرجل ليست ثقة عاطفية، بل ثقة مبنية على قراءة موضوعية لمسيرته ومواقفه.
والآمال المعقودة عليه ليست أوهاماً، بل تطلعات مشروعة لشعب أنهكته الحروب والانقسامات، ويتطلع إلى قائد يقوده نحو بر الأمان.
نعم، نحن على ثقة بأن القادم سيكون أفضل بإذن الله، في ظل قيادة تدرك حجم المسؤولية، وتعمل بصمت، وتقدم مصلحة الوطن على كل اعتبار.
حفظ الله فخامة الرئيس الدكتور رشاد محمد العليمي، ووفقه لما فيه خير اليمن وشعبه، وسدد خطاه نحو استعادة الدولة وبناء مستقبل يليق بتضحيات اليمنيين.