حكومة الكفاءات بين وهم الاستوزار وأزمة الحوكمة
الحديث عن حكومة كفاءات يعني حرفياً الاستوزار من داخل الحكومة، أي أن تأتي الكفاءات لإدارة الشأن الحكومي من داخل الجهاز الحكومي نفسه، لا من خارجه.
وهنا سنكون أمام مشكلة مركّبة : الأولى، تآكل الجهاز الحكومي مع الوقت بسبب فقدان الخبرات، واستحواذ الحوثي على نصيب أكبر من رجالات الدولة وكفاءاتها بحكم مركزية صنعاء سابقاً.
والثانية، أننا سنعيد تدوير السابق الذي تبلور في رحم سلطة صالح، ونكرر مسرحية الإقصاء والاستحواذ.
تعمل منظمات المجتمع المدني في بيئة ووفق عقلية خاصة بها، وكذلك يشتغل القطاع الخاص ضمن بيئة عمل وذهنية وقواعد أخلاقياتية نابعة من داخله وتحدياته.
فكيف يمكن إدماج كفاءات من خارج القطاع الحكومي؟
القادمون من القطاع الخاص بدا بعضهم بالونات نجاحات وهمية، ولم يتوافقوا مع موظفيهم، والمستوزرون من المجتمع المدني كانت عيونهم على الممولين الدوليين وثقل الخارج، ولا يفرقون بين المنظمة والوزارة، وكانوا هم الآخرون وهماً إضافياً ومحاصصة محبِطة.
ودون وجود أداة صهر تعيد تذويب القادم من الخارج ليمتثل لقواعد العمل ويستجيب لتحديات المجال الحكومي، فلا معنى للاستوزار هذا.
لكن أمامنا مشكلة جادة هي خلاصة الحوكمة في الفترة منذ 2011.
كانت الحكومة قبلها هي الحزب الحاكم في مرحلة تماهى فيها الجهاز الحكومي مع السلطة السياسية. لم يكن بالإمكان أن تكون وزيراً أو أن تحصل على فرصة للترقية إلا إذا مررت عبر قنوات الحزب الحاكم.
وهذه الصيغة من الحكم، التي تُسمى بالزبونية، أفسدت الوظيفة العامة، دعونا نتفق على هذه البديهة.
لكن الوجه الآخر من المشكلة يتمثل في القادمين من الأحزاب السياسية، الذين يرون أن ثقلهم المرجِّح نابع من ارتباطهم العضوي بالجهات التي استقدمتهم، لا من الوظيفة التي يشغلونها.
حدث إفراغ للانتماء الوظيفي مقابل إقحام الانتماء الحزبي النزاعي في الوظيفة العامة أكثر مما كان، وعليه تعاظمت دوائر العصبيات والشللية.
تجربة الحكم منذ 2011 إلى الآن لم تقد إلى تغييرات وإصلاحات حقيقية، وتعثرت كثيراً، لأنها قامت على الولاء لا على الكفاءة، ولأنها جرّت معها صراعات جانبية داخل جهاز الدولة.
لم تقدّم الأحزاب برامج إصلاحية بقدر ما قدّمت ممثلين لثقلها الحزبي جماهيرياً، وهو ثقلٌ مزعوم في بلاد لا تنتظم فيها انتخابات عامة.
وفي المحصلة، تراكمت لدينا حكومات فارغة الكفاءة، خفيفة الانتماء لجهاز الدولة، فارغة الحسّ الحكومي، وبالطبع زبونية.
كيف يمكن إذن إحداث قطيعة من خلال استوزار كفاءات بلا انتماء، في وقت يكون فيه هرم الجهاز التنفيذي في حالة افتكاك وتنازع؟
يمكن لحكومة «كفاءات» بلا انتماءات أن تعمل جيداً إذا كانت مؤسسة الرئاسة متماسكة ومتينة، وقادرة على دفع دفة البلاد وحماية الحكومة من التجاذبات الحزبية.
فهل توفر هذا الشرط لمجلس الرئاسة؟
وبالمقابل، ماذا ستقدّم حكومة تمثيلية لقوى سياسية تنظر إلى المواقع بوصفها نصيباً من الكعكة، وما تزال مستسلمة لذهنية الثأر السياسي ،وعقلية الإقصاء والمعادلات الصفرية؟