عقد من الخيبات ..
غدا ٢٥ يناير يصادف الذكرى ال ١٢ لتوقيع مخرجات مؤتمر الحوار الوطني الشامل ، المضامين المنقلب عليها من القوى القبلية الطائفية ، المشروع الوطني الجامع المتوافق عليه وكان يعول عليه إقامة الدولة اليمنية الاتحادية الفيدرالية .
مخرجات الحوار التي تآلبت عليها قوى الهيمنة والاستئثار فأنقلبت عليها وشنت حربًا ضروسًا ما فتأت حاصدة للمهج ومستنزفة للدم حتى اللحظة .
المقررات التي كانت خلاصة لمعالجات تاريخ من التجارب الخاطئة ومن الأزمات والانقسامات ، وكان يمكنها نقل اليمن واليمنيين من الهامش إلى الوجود ، ومن الصراعات البينية إلى السلام والتنمية والاستقرار ...
الغدر لم يأتِ من طرف واحد، بل تعددت وجوهه وأدواته ، فلم يكتفِ به البعض، بل حتى من تزيَّوا بزي دعاة الدولة المدنية العادلة انقلبوا مع المنقلبين ، وشاركهم في ذلك عديد ممن يحسبون أنفسهم على القضية الجنوبية .
وكأنَّ مشاركتهم في مؤتمر الحوار لم تكن عن قناعة وطنية، بل كانت مجرد منصة للمنفعة الشخصية . والأمر لا يحتاج إلى برهان، فمواقف هؤلاء في الأعوام التالية للانقلاب والحرب قد كشفت النقاب عن سوآت لا حصر لها، وأظهرت أنهم لا ينتمون إلى مبدأ ولا يبتغون غاية وطنية سامية.
اليوم، وفي خضم الذكرى ، تشهد الحالة اليمنية تحولات مصيرية قد تعيد رسم المعادلة برمتها . إذن، السؤال الملح الآن: بعد كل هذا الدمار والانقلابات والخيانات، هل لا يزال هناك متسع للأمل في حلول عادلة ممكنة، شمالًا وجنوبًا؟ وهل يمكن أن تظهر حلول أفضل من مضامين مؤتمر الحوار الوطني الضائعة ؟
والسؤال الجوهري الأهم لم يعد : هل توجد حلول عادلة أفضل من مخرجات ٢٠١٤م ؟ بل هل توجد إرادة وطنية حقيقية، شمالًا وجنوبًا، لتجاوز منطق الغدر والانتفاع الشخصي، والبناء على دروس الدم كي لا نعيد إنتاج الكارثة؟ .
الإجابة عن السؤالين قد تحمله المتغيرات الجارية على الأرض ، فمن رماد الماضي.. قد تُولد الفرصة . والحقيقة أن الإجابة لدى اليمنيين أنفسهم ، وبما يكتبوه بقلوب نقية من حقد الماضي، وعقول منفتحة على مستقبل يصون الحق والكرامة للجميع .
لتكون الذكرى ليس للبكاء على الأطلال، بل للاستفادة مما حدث ، ولعل في ازمات الحاضر المؤلمة ، بصيصًا لمستقبل أقل ظلمة ..
وفي ذكرى مؤتمر الحوار ، لا نملك إلا أن نقف وقفة تأمل أمام مقبرة الأحلام الكبيرة. لقد تبدد حلم الدولة الاتحادية أو تأجل أو ذهب أدراج الرياح ، ليس فقط بسبب انقلاب القوى القبلية الطائفية، بل بسبب خيانة النخب التي باعت المبادئ وحوَّلت المشروع الوطني إلى سلعة في سوق المصالح الضيقة.
لكن التاريخ لا يتوقف ، فالساحة اليمنية تشهد الان تحولًا قد يكون مؤلمًا ولكنه ضروري: سقوط الأقنعة، وانهيار المشاريع الانفرادية، وصعود صوت جمعي جنوبي يرفض الوصاية ويلح على الحوار الجامع .
ختامًا .. مؤتمر الرياض المرتقب ليس ضمانًا للنجاح، لكنه قد يكون الإطار الواقعي الأخير لاختبار إمكانية ولادة "خلاصة جديدة" من رحم المأساة ..