مصر التي زرت..بين المتوقع والواقع

Author Icon لؤي العزعزي

فبراير 13, 2026

مصر أم الدنيا هذا ما يتردد في الإذهان منذ زمن طويل. هكذا حرص المصريين في أن يكون تصور العالم عنهم؛ بلدٍ مضياف، وشعب مرحب بالجميع كبلد سياحي. هذا وتفنن مثقفو ومسؤولو مصر على استثمار ذلك بكل الطرق والأشكال؛ وضخموا من قوة مصر الناعمة.

مصر شكلت وعي اجيال كاملة. تربينا على نتاجها الأدبي، وقرأنا لاكتابها اللامعين، وتعلقنا بممثليها، وأحببنا مطربيها.
لم تكن مصر مجرد بلد عربي شقيق، بل كانت ذاكرة فنية مشتركة، وحلم عربي جامع، ونافذة حرية. كانت صورة حضارية متخيلة شكلتها روايات نجيب محفوظ، وفكر وأدب طه حسين، وأعمال إحسان عبدالقدوس المثيرة والجريئة، وصوت أم كلثوم الملائكي، وحضور عادل إمام زعيم الفن العربي، و أيضًا في عوالم نبيل فاروق، وأحمد خالد توفيق.

قوة مصر الناعمة كانت ولازالت الأكبر، والأكثر تأثيرا في الوطن العربي؛ فكانت رغبتي مثل أي شاب نشأ عما سبق أن ازورها، وان اختلط بشعبها، واجالس مثقفيها، وأسير في شوارعها..

بعد سنوات من الحلم والتمنى وتحديدا قبل ثلاث أشهر من تأريخ هذا المقال سنحت لي الفرصة أخيرا لزيارة مصر.
لأسباب كثيرة منها عملية، ومنها نفسية.

منذ اللحظات الأولى في مطار القاهرة الدولية وانا اجابه خلاف ما كنت اتوقع؛ محاولات حثيثة، وجهود مدروسة، وخطط منظمة لمحاولة الايقاع والنصب. اعتبرت ذلك شيئا سلبيا عابرا لا يمثل مصر ولا أهلها وهو كذلك فعلا.

مع ذلك وكلما حاولت الإندماج كلما تضخم شعوري بأنني أواجه واقعًا غير مطئن وغير أمن؛ فيه محاولات استغلال متكررة، وضغوط نفسية، وتعاملات تفتقر إلى الحد الأدنى من الأمان الذي يحتاجه أي غريب في بلد جديد. وخصوصا مصر الذي كنت اتوقع قرب وحميمة كبيرة منها ومن أهلها. الشيء الذي لم أجده، ولم ألمسه؛ يتعمال الأغلب معك كحساب بنكي متحرك، يحرصون على سحب دون مقابل قدر الإستطاعه.

أقمت في البداية لدى أصدقاء، وبدأت ترتيب أوضاعي للعمل، ومن ثم انتقلت خلال ثلاث ايام الى شقتي الخاصة.

منذ اللحظات الأولى ومحاولات كثيرة ومتكررة للتقرب مني عبر أشخاص لم أعرفهم من قبل. بدا الأمر في ظاهره صداقات عابرة، لكنه مع الوقت أخذ طابعًا مريبًا. كنت قد قررت الابتعاد عن التجمعات اليمنية في القاهرة للتفرغ للعمل، إلا أن شعورًا بالعزلة دفعني للخروج بين الفينه والاخرى كنوع من التنفيس.

استطاع أحدهم- السمسار- كسب ثقتي، وقدمني لأشخاص آخرين، وأصبحنا نخرج معًا بشكل متكرر مع أصدقائه. قبل نحو شهر، استضفتهم في منزلي، وتناولنا الشراب معًا، وتبادلنا أطراف الحديث، واستمعنا للموسيقى معًا كاصدقاء عاديين.. بعد فترة قصيرة بدأت بفقدان الوعي.. لأستيقظ بعد نحو خمس ساعات على شقة شبه فارغة.

تمت سرقة كل ما أملك تقريبًا: هاتفان، حاسوب محمول مع ملحقاته، أجهزة إلكترونية، متعلقات شخصية، ومبلغ مالي يقدر بنحو تسعة آلاف، وهو كامل ما كنت أملكه في تلك الفترة. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل تم الاستيلاء على مفتاح الشقة وحتى شفرة المصعد. أعمى ووحيد وفي الغربة وجدتني.

عقب استعادتي الوعي، دخلت في حالة انهيار عصبي استمرت قرابة ساعة، قبل أن يتدخل الجيران لمساعدتي. توجهت فورًا إلى قسم شرطة الهرم لتحرير بلاغ. ولكن ومنذ وصولي لم يحظ الأمر بالاهتمام المتوقع؛ إذ تم إرسال ضابط واحد لمعاينة كاميرا مراقبة واحدة فقط، وعلى نفقتي الخاصة، بينما لم يتم فحص بقية الكاميرات في محيط الواقعة. بعدها لم اتمكن مطلقًا في الإلتقاء بأي ضابط من أجل معرفة المستجدات، وتزويدهم بمعلومات وتفاصيل أكثر. احدًا منهم لم يهتم. انتظار طويل، ومن ثم عودة خائبه. أقسم بكل مقدس أن محضر الشكوى تم رميه ولم يحرك قيد أنمولة وإلا لكان الجناه خلف القضبان، واشيائي عادت إلي لأتمكن من استعادة حياتي المفقودة.

كل شيء موجود. من أرقام واسماء وكيمرات مراقبة وخيوط كثيرة توصل إلى الجناه فقط لو تعاون الأمن وقاموا بواجبهم.

فقط اكتفوا باللوم علي بسبب "الثقة بمن أدخلتهم إلى منزلي"، بدل التعامل مع الواقعة كجريمة مكتملة الأركان.

لجأت بعد ذلك إلى السفارة اليمنية، بحثًا عن دعم أو تدخل؛ للضغط من أجل الإهتمام وتحريك القضية لكن ما تلقيته اقتصر على وعود لم تترجم إلى خطوات عملية.

اليوم، بعد شهر من الحادثة، أجد نفسي في حالة استنزاف نفسي ومادي حاد. لم تكن السرقة مجرد خسارة ممتلكات، بل ضربة قاسية أثرت على عملي، وعلاقاتي المهنية، وصحتي النفسية والجسدية. وها أنا ذا أعود إلى بلادي دون تحقيق شيء. بل فقدت كل شيء حرفيًا، في الوقت الذي كنت أحاول فيه الانتصار لابلادنا من هجوم وإدانة دولية عن الجرائم والاتجار بالبشر على أراضينا الوطنية.

لم يكن بمقدور فعل شيء. شعور العجز، ورؤية اشيائي تنهب، ولا احد يكلف نفسه عناء القيام بالواجب لا شيء آخر، امات شيء ما كبير في داخلي.

ابدا لم تكن هذه مصر الذي تخيلت، وتمنيت طويلا زيارتها.

وابدا لم يكن هذا هو الدور الذي كان يفترض اداؤه من قبل موظفي السفارة اليمنية في القاهرة

وهنا أنا على ثقة تامة أننا لن نصل ببلادنا إلى بر الآمان في الوقت الذي يسمح بمثل هكذا موظفين تمثيل بلادنا

وعن ذاتي أبث شكواي وحزني وقلة حيلتي ملكوت السموات والأرض وسأعيد ترتيب اوراقي وذاتي وسأعود قويا وانتزع حقوقي واشيائي كاملةً
ابدا لن انسى ولن أتنازل

 

زر الذهاب إلى الأعلى