الكنز المدفون تحت التراب و المهدور فوقه

Author Icon يونس الحوض

فبراير 14, 2026

خلال الأيام الماضية، ضجت مواقع التواصل الاجتماعي بأخبار عن العثور على كنز أثري في منطقة عيال سريح بمحافظة عمران، وبينما عبر كثيرون عن فرحتهم واستبشارهم بهذا الاكتشاف الذي قيل إنه يحتوي على تماثيل وقطع أثرية نادرة، أبدى آخرون غضبهم وقلقهم، معتبرين أن مصير هذا الكنز قد يكون النهب أو التدمير في ظل واقع مضطرب وانعدام للرقابة والحماية.

الجدل لم يكن حول قيمة الآثار بحد ذاتها، فاليمن بلد حضارة ضاربة في عمق التاريخ، من ممالك عظيمة مثل مملكة سبأ ومملكة حمير، إلى معالم خالدة كـمعبد أوام ومدينة شبام، هذه الشواهد ليست مجرد حجارة صامتة، بل وثائق حية تروي للعالم أن هذه الأرض كانت يوماً منبع حضارة وتجارة وعلم.

غير أن المأساة الحقيقية لا تكمن في الخلاف حول مصير كنز أثري، بل في المفارقة التي تعكسها ردود الأفعال ذاتها: اهتمام بالغ بالماضي، يقابله عجز مؤلم في الحاضر، نفرح بالذهب المدفون تحت التراب، بينما يُدفن الإنسان اليمني حياً تحت ركام الحرب والفقر والجهل والمرض.

لقد تحولت الآثار في نظر البعض، إلى ملاذ نفسي نهرب إليه من واقع مثقل بالأزمات، نستحضر أمجاد الأجداد لنتناسى إخفاقاتنا الراهنة، لكن الحقيقة التي يصعب تجاهلها أن الحضارات لم تُبنا بالتماثيل ولا بالكنوز المدفونة، بل بالإنسان القادر على البناء والإبداع وصناعة المستقبل.

اليمن اليوم لا يحتاج فقط إلى حماية آثاره من العبث والتهريب، بل يحتاج قبل ذلك إلى حماية إنسانه من الضياع، فمن لم يمت بالحرب، يموت بالجوع أو المرض أو القهر، ومن نجا من الموت الجسدي، قد يواجه موتاً آخر أشد قسوة، هو موت الأمل.

إن كنوز الماضي لن تصنع لنا حاضراً أفضل ما لم نصنع نحن حاضرنا بأيدينا، الحفاظ على الهوية لا يكون فقط بصيانة النقوش والتماثيل، بل بصيانة كرامة الإنسان وحقه في التعليم والعمل والحياة الآمنة، فكما ترك الأجداد آثاراً نفتخر بها اليوم، فإن مسؤوليتنا أن نترك للأجيال القادمة إنجازات تليق بتاريخ هذا الوطن.

الاهتمام بالماضي ضرورة لأنه يمثل الجذور، لكن الاكتفاء به خطر لأنه قد يتحول إلى شماعة نعلق عليها عجزنا، المعادلة الحقيقية تكمن في التوازن: نحمي آثارنا لأنها جزء من ذاكرتنا، ونبني الإنسان لأنه صانع ذاكرتنا القادمة.

فإذا كان هناك كنز حقيقي يستحق أن نختلف ونتفق من أجله، فهو الإنسان اليمني ذاته، هو الثروة التي إن صلحت، صلح بها كل شيء، وإن ضاعت، فلن تنفعنا كنوز الأرض كلها.

زر الذهاب إلى الأعلى