السعودية الحالية الأكثر إلماماً بالأمن القومي
تقاتل السعودية شقيقتها الإمارات تحت لافتة تقول إن الأخيرة تسعى إلى تمزيق البلدان العربية. إلى ذلك تحشد خلفها دولاً وتصنع تحالفاً وصفه نتنياهو ب"السني الراديكالي" وبشّر بتحالف مضاد!
على كل منصة دولية، وخلف الأبواب المغلقة، يردد قادة السعودية جملة واحدة: لن نسمح بتمزيق الدول العربية. حتى في المسألة الفلسطينية ،سلكت القيادة السعودية طريقاً واضحاً وبدت خطوطها متشددة رغم كل الإغراءات بل والإملاءات.
السعودية الراهنة أكثر إلماماً بمعادلات الأمن القومي، بل ذهبت إلى اعتبار أقصى شرق السودان فضاء أمنياً سعودياً. تدرك جيداً أنها بحاجة إلى غطاء أخلاقي بينما هي تتدبر أمنها القومي. في اليمن تقدم عرضاً أخلاقياً مثيراً جعلها تحصد رضا واسعاً في العالمين العربي والإسلامي. كذلك الأمر في المسألة الفلسطينية إلى حد بعيد. ذهبت مقالة مهمة في اللوموند إلى القول إن بن سلمان، المعني بمحبة شعبه والذي يستثمر كثيراً في تلك المحبة، وجد في المسألة الفلسطينية وسيطاً جديدة للمحبة بينه وبين شعبه المسكون بالمسألة الفلسطينية.
على ساحة سياسية متلاطمة تعيد السعودية هندسة رؤيتها، ولم تكن المواجهة "الانتحارية" التي خاضتها مع الإمارات بالأمر اليسير. فالإمارات ليست وحسب قوة مالية عالمية ضاربة وذات نفوذ، بل باتت جزء مادياً أصيلاً في نظام الأمن والمال الأميركي. انخراطها في الحفلة الإبراهيمية، مؤخراً، ليس بالشيء الكبير. وعلاقتها بإسرائيل ليس تطبيعاً. تتعدى الحقائق كل ذلك، إذ بات بمقدورنا رؤية غرفة مشتركة للاقتصاد، غرفة مشتركة للأمن، وغرفة واحدة للمعيشة. على ضوء أوراق أبستين رأينا الإمارات تتحرك، بحرية وعفوية، داخل الهيكل الأميركي، منذ سنين بعيدة. ولعلّ مشهد سلطان بن سليّم وهو يطبخ لأبستين هو أقرب إلى لوحة رمزية منه إلى وثيقة. بيت واحد، عائلة واحدة. العائلة التي يرد فيها الأب على رسالة تسأله عن التكاليف التي لم يدفعها "الولد" سلطان، فيرد أبستين: ارسل الفواتير على حسابي.
اجتازت السعودية، بمهارة أو مصادفة أو الاثنين معاً، عقبة اللوبي الصهيوني في البيت الأبيض. وهو لوبي استثمرت فيه الإمارات إلى أن صارت جزء منه. تذكروا فقط أنها انخرطت في مجموعة القوى المالية "الصهيونية" التي اشترت النسخة الأميركبة من تيك توك. وهو فعل يراد له فقط أن يفلتر الرواية عن الشرق الأوسط، ولا شيء آخر.
السعودية تدرك خطورة ما ذهبت إليه، وكان محتملاً أن تخسر بسببه فوائد جمة حصلت عليها مؤخراً على مستوى الطاقة والأمن والسلاح. وربما باتت تحتمي بالحقيقة الجيوسياسية الجديدة: انهيار النظام العالمي القديم، نظام ما بعد سقوط جدار برلين. مقالة مهمة على فايننشال تايمز حذرت من تجاوز الخطوط الحمراء ضد السعودية لصالح الإمارات، فمن شأن ذلك أن يلقي بالسعودية في الحضن الصيني. وقائع جديدة على خارطة العالم، والسعودية تتمهل وتمسك بالخيوط بأناة وحرص، وبخلاف الإمارات فلا تزال الكثير من أوراقها إلى صدرها، لا يراها حتى حلفاؤها.
الصورة المرفقة مثيرة للشفقة، فهي تقدم السعودية كوريث للإمارات في الفعل نفسه: التقويض، تفكيك البلدان. وما يثير أكثر هو ربط قادة الإمارات بتقسيم اليمن، بالأمس، ثم إبدال صورهم بقادة السعودية داخل الإطار نفسه.
تتراكم الحقائق، تتغير الحقائق، تختفي الحقائق، تتوالد حقائق، تندمج حقائق بأخرى، ينزل فاعلون، يصعد آخرون، تتغير معادلات المسرح الدولي، والعقل الزبيدي في مكانه، عاجز ليس وحسب على مستوى إنتاج الجملة المفيدة، بل على ما هو أدنى من ذلك.
لم تكن المشكلة في الحسابات الخاطئة، تلك التي انتهت بهرب الزبيدي إلى صومالي لاند!
بل في العقل نفسه، فهو عقل لا ينتج سوى حسابات خاطئة.