قراءة في وثيقة الحراك الجنوبي 2013 لحل القضية الجنوبية

Author Icon رشا جرهوم

فبراير 25, 2026

عندما انطلق مؤتمر الحوار الوطني الشامل، أُقرّ بأن القضية الجنوبية تمثل محوراً سياسياً أساسياً في مسار التّحول السياسي آنذاك. لذلك جرى اعتماد قاعدة تمثيل واسعة للجنوب بلغت 50% من إجمالي المشاركين، إضافة إلى نسب مخصصة للنساء والشباب. كما تشير وثيقة المخرجات بوضوح إلى أن 75% من ممثلي الجنوب في فريق القضية الجنوبية كانوا من الحراك الجنوبي السلمي.

ورغم أن الحراك كان المكوّن الأوسع تمثيلاً داخل فريق القضية الجنوبية، إلا أن حضوره تحوّل من حامل لمشروع سياسي إلى أداة لإضفاء شرعية على مسار صيغت نتائجه ضمن سقف محدد مسبقاً. ويتضح ذلك بسبب غياب منطقه السياسي القائم على إعادة تعريف العلاقة على أساس حق تقرير المصير الذي لم يتحول إلى خيار دستوري مطروح للنقاش، بل جرى تجاوزه لصالح إطار اتحادي مُحدد سلفاً، وهو ما أفرغ التمثيل من مضمونه السيادي.

فمن الناحية الشكلية، بدا أن الحوار أفرد مسار جاد لمعالجة القضية الجنوبية، واعتراف بخصوصيتها. غير أن الواقع كان أكثر تعقيدًا.

في تلك المرحلة، كان الشارع الجنوبي لا يزال في حالة غليان سياسي. شهد الجنوب حملات مقاطعة لانتخابات الرئيس الانتقالي عبدربه منصور هادي، واستمرت الفعاليات الاحتجاجية، وبرزت تحفظات واسعة على المشاركة في الحوار باعتبار أن سقفه السياسي محدد مسبقاً.

وتعثر مسار جبر الضرر، الذي أُعلن عنه بإنشاء صندوق في أكتوبر 2013 ودُعم بمنحة قطرية بقيمة 350 مليون دولار في نوفمبر من العام ذاته، لكنه لم يحقق أثر ملموس، حيث ظل التنفيذ غير شفاف، ولم تصل التعويضات إلى مستحقيها، مما عزز شعور واسع بأن معالجة آثار حرب 1994 لم تكن جادة، بل تحولت إلى وعود إعلامية بلا نتائج حقيقية على الأرض. وهو ما يفرض اليوم ضرورة فتح تحقيق مالي وإداري مستقل وشفاف لتوضيح أين ذهبت هذه الموارد، وما الذي حدث فعلياً للصندوق، ومن يتحمل مسؤولية تعثره.

كما شهدت مشاركة ممثلي الحراك توترات داخلية، وصلت حد تعليق المشاركة لفترة ثم العودة، إضافة إلى تغيّر بعض الأعضاء خلال المسار. هذا المناخ كشف فجوة واضحة بين الترتيبات التمثيلية داخل القاعة وبين المزاج السياسي الفعلي في الجنوب.

في هذا الإطار، قدم الحراك وثيقته السياسية بوصفها رؤية متكاملة للحل. إلا أن مسار الحوار، رغم إقراره بالمظلومية الجنوبية، لم يستوعب المنطق السياسي الكامل الذي قامت عليه تلك الرؤية، وهو ما أسس لخلل هيكلي في معالجة القضية. وتم تجاهل أو تجاوز الرؤية التي مثلت أحد أبرز التعبيرات المنظمة عن الصوت الجنوبي في تلك المرحلة، مما أدى إلى تسوية منقوصة.

ففي يوليو 2013 قدم الحراك الجنوبي السلمي وثيقة بعنوان “رؤية الحلول والضمانات” إلى فريق القضية الجنوبية في مؤتمر الحوار الوطني. قدمت الوثيقة طرحاً سياسياً ودستورياً متكاملاً يعكس رؤية واضحة لمستقبل الجنوب.

الوثيقة انطلقت من فرضية محورية وهي أن صيغة الوحدة الاندماجية لعام 1990 فقدت مشروعيتها بعد حرب 1994، وأن العلاقة تحولت من شراكة بين دولتين إلى واقع فُرض بالقوة، وأن الحل يكمن في إعادة تعريف العلاقة على أساس حق تقرير المصير، وأن المرحلة الانتقالية يجب أن تمهّد لمسار سيادي واضح، بضمانات دولية ملزمة.

استندت الرؤية إلى جملة من المرجعيات والأسس شملت قرارات مجلس الأمن الصادرة أثناء حرب 1994، وعلى مبدأ حق تقرير المصير في القانون الدولي، وغياب الاستفتاء الشعبي على صيغة الوحدة الاندماجية وانهيار مبدأ الشراكة في السلطة والثروة بعد الحرب.

كما قدمت تصوراً كاملاً لبناء دولة الجنوب تضمنت دولة اتحادية فدرالية بنظام جمهوري ديمقراطي وفصل للسلطات واستقلال القضاء ومنع إنشاء المليشيات وضمان الحقوق والحريات ونصاً صريحاً على تمثيل - متواضع جداً برأيي- للمرأة بنسبة لا تقل عن 21%، وشملت خارطة طريق انتقالية مدتها ثلاث سنوات وتأسيس جمعية وطنية انتقالية وصياغة دستور جديد واستفتاء شعبي، وترتيبات أمنية بين الجنوب والشمال واقترحت ضمانات إقليمية ودولية ملزمة لتنفيذ الاتفاق. بمعنى آخر، لم يكن الحراك يطرح شعار “الاستقلال” بشكل مجرد، بل على شكل مشروع سياسي ودستوري وإداري متكامل.

وبالرغم أن رؤية الحراك الجنوبي لعام 2013 قدمت تصوراً متكاملاً للعلاقة بين الجنوب والشمال، إلا أنها لم تُفرد معالجة تفصيلية كافية لمسار المصالحة الجنوبية–الجنوبية باعتباره شرطاً أساسياً لنجاح أي مشروع سياسي مستقبلي. فبناء الدولة لا يبدأ فقط بإعادة تعريف العلاقة مع الآخر، بل بإعادة ترميم العقد الاجتماعي داخل الجنوب نفسه، وبمعالجة آثار الصراعات السابقة بصورة مؤسسية واضحة.

‏٢) كيف انعكست أو لم تنعكس هذه الرؤية على المخرجات النهائية للحوار الوطني؟

مخرجات الحوار الوطني الشامل (2014) أقرت بوجود قضية جنوبية وبوجود مظالم تاريخية. لكنها اختارت معالجة هذه القضية ضمن إطار “الدولة الاتحادية متعددة الأقاليم” داخل الجمهورية اليمنية.

هنا يظهر التفاوت بالهدف:
وثيقة الحراك انطلقت من سؤال:
هل ما زالت صيغة الوحدة قائمة سياسياً بعد 1994؟

بينما انطلقت مخرجات الحوار من افتراض مسبق:
الدولة الموحدة إطار غير قابل للمراجعة، وما نبحث عنه هو تحسين شكلها الإداري.

بهذا المعنى، لم يُطرح في الحوار خيار تقرير المصير كمسار سياسي قابل للنقاش، بل جرى الانتقال مباشرة إلى إعادة هيكلة الدولة في إطار اتحادي. بالتالي تمت معالجة القضية الجنوبية داخل إطار الدولة الموحدة، لا عبر إعادة تعريف العلاقة بين الجنوب والشمال.

الحوار تحدث عن “معالجة القضية الجنوبية”، لكن لم يعترف صراحة بسقوط صيغة الشراكة السابقة، ولم يمنح الجنوب حقاً واضحاً في استفتاء حر حول مستقبله السياسي.

كما أن مخرجات الحوار لم تتضمن آليات إلزام حقيقية لتنفيذ ما تم الاتفاق عليه، وهو ما ظهر لاحقاً في انهيار العملية الانتقالية بالكامل.

لماذا يهمنا هذا اليوم؟

لأن ما نعيشه اليوم ليس منفصلًا عمّا حدث في تلك اللحظة.

فأي مشروع سيادي لا يستند إلى مصالحة داخلية عميقة يظل معرضاً لإعادة إنتاج الانقسامات القديمة داخل بنية الدولة الجديدة. كما أن المسار السياسي لا يُختزل في التمثيل العددي، بل يتحقق بفتح الخيارات للنقاش دون سقوف مسبقة.

ومن هنا يبرز السؤال الذي لا يزال سارياً:
هل سيتعامل أي حوار قادم مع قضية الجنوب باعتبارها مسألة إصلاح إداري داخل دولة قائمة، أم كمسألة علاقة سياسية تحتاج إلى إعادة تعريف واضحة ومباشرة؟

هذا السؤال مطروح لأن جوهر المسألة الجنوبية، باعتبارها قضية تتعلق بطبيعة العلاقة السياسية بين الجنوب والشمال، ما زال يُعاد تعريفه كملف قابل للمعالجة داخل الدولة القائمة، بدل التعامل معه كقضية ذات بُعد سيادي.

الدرس الأهم من تجربة 2013 أن التمثيل داخل القاعة لا يعني بالضرورة احتواء الشارع خارجها. وأي مسار قادم لا يعالج هذه الفجوة بوضوح سيعيد إنتاج الأزمة نفسها. احتواء الشارع الجنوبي يتطلب ما هو أوسع من اتفاقات بين القيادات، ويتطلب إجراءات عملية فورية لتهيئة البيئة لانعقاد الحوار، منها:

أولاً: الاعتراف السياسي الصريح:

الاعتراف بأن الجنوب ليس مجرد مظلومية إدارية، بل قضية سياسية ذات بعد سيادي، بغض النظر عن مآلات الحل. وضوح الخطاب يعزز الشفافية ويردم فجوة التوقعات ويعيد بناء الثقة.

ثانياً: فتح النقاش حول الخيارات الممكنة خلال الحوار دون وضع سقوف مسبقة ومناقشتها بجدية وشفافية، بما يخفف الاحتقان ويعزز الإحساس بالمشاركة الحقيقية.

ثالثاً: إجراءات فورية لبناء الثقة:

لا يمكن لأي مسار سياسي أن ينجح دون خطوات عملية متزامنة تعيد بناء الثقة بين الدولة والمجتمع في الجنوب. وتشمل هذه الإجراءات:

1.إصلاح مؤسسي فعلي وتحسين الخدمات الأساسية: إعادة هيكلة مؤسسات الدولة في المحافظات الجنوبية على أسس مهنية، وتحييدها عن الاستقطاب السياسي، وضمان انتظام الخدمات الأساسية من الكهرباء، المياه، الصحة، الصرف الصحي، التعليم، الحماية الاجتماعية، الاتصالات، والأمن وغيرها بما يحقق استقراراً ملموساً في الحياة اليومية.

2.معالجة عادلة وشفافة لملفات الأراضي والممتلكات والوظائف وجبر الضرر:
إطلاق آلية مستقلة لمراجعة قضايا الأراضي والممتلكات المنهوبة، والإقصاء الوظيفي، وتسويات المتقاعدين قسراً، وجبر الضرر للضحايا، وفق معايير قانونية واضحة، وجداول زمنية معلنة، وآلية تظلم فعالة. ويجب أن يشمل المسار الانتهاكات التي حدثت مؤخراً مروراً بكافة الانتهاكات التي حدثت على مر التاريخ في الجنوب، لضمان معالجة شاملة لا انتقائية.
3.تمكين إداري ومالي حقيقي للسلطات المحلية لا يتطلب انتظار تسوية دستورية شاملة، فالقانون رقم (4) لسنة 2000 بشأن السلطة المحلية يمنح المحافظات صلاحيات واسعة ،في التخطيط والموازنة والإشراف الإداري.

غير أن هذه الصلاحيات ظلت معطلة أو مقيدة عملياً. وتفعيل هذه النصوص عبر نقل تفويض مالي مباشر، وإقرار سقوف إنفاق محلية مستقلة، وتمكين المجالس المحلية من الإشراف الفعلي على فروع الوزارات يمكن أن يشكل خطوة فورية لبناء الثقة، دون المساس بالإطار القانوني القائم.
4.شفافية إدارة الموارد ومكافحة الفساد بآليات ملزمة: نشر بيانات دورية حول الإيرادات المحلية والمركزية وحصص المحافظات منها، وتفعيل أجهزة الرقابة والمساءلة، وربط أي دعم مالي مستقبلي بمعايير شفافية واضحة، لضمان أن تُدار الموارد لصالح المجتمع لا لصالح شبكات النفوذ.

 

 

المصدر: منصة إكس
زر الذهاب إلى الأعلى