ما سيحل بإيران سيزعزع كل شيء
في جنيف، في التاسع من يناير ١٩٩١، حدث اللقاء الأخير بين العراق وأميركا.
حوار صعب من ست ساعات انتهى ببيان يقول: لا تزال المواقف متباعدة.
والحقيقة أنه كان حواراً صعباً أبدى فيه طارق عزيز حماقة منقطعة النظير (نشر اللقاء فيما بعد في كتيب من ٧٠ صفحة). تسلم من جيمس بيكر رسالة نصية على لسان بوش الأب: إذا لم ينسحب العراق من الكويت فسوف نستخدم القوة.
قال طارق:
إن ١٧ مليون عراقي لا يشكون لحظة واحدة في قدرتنا على النصر.
يرد عليه بيكر: أنتم لا تعلمون ماذا أعددنا لكم.
فيما بعد يعلق روجيه غارودي على المعركة قائلاً: لقد أعادوا العراق إلى زمن ما قبل الصناعة.
في ١٧ من يناير انفجرت الحرب، ولخمسة أسابيع استباح التحالف الدولي سماء العراق. استعرضت أميركا قوتها القصوى، كانت لحظة إمبراطورية هائلة، أرادت فيها أميركا أن تقول للعالم:
من الآن وصاعداً هناك قطب واحد. قدمت استعراضاً تقنياً وحشياً يلائم اللحظة.
بعد ٥ أسابيع سُوي كل شيء بالأرض:
القيادة والسيطرة، المنشآت العسكرية، الحرس الجمهوري، والأصول الاستراتيجية.
في مفاوضات جنيف ربط طارق عزيز الكويت بفلسطين! رد عليه بيكر، مجرم الحرب، أن الدولة الفلسطينية لن تكون مكافأة عن غزو الكويت.
في الوقت نفسه كان قد عرض على القادة العرب وعوداً بحوار يفضي إلى مسار فلسطيني واضح، أفضى فيما بعد إلى أوسلو، التي بدت كرشوة للعرب مقابل التغاضي عمّا سيحل/ وحلّ بالعراق.
هذا اليوم تدور مفاوضات لا تقل صعوبة عن حوار عزيز-بيكر. من المرجح أن نتيجته ستكون واحدة من اثنتين:
إيران مستلبة ومستباحة، سلماً
أو إيران محطمة، وخارج زمن الصناعة، حرباً.
الكثير من اللا-استقرار الذي تعيشه منطقتنا راهنا مرتبط جذرياً بما حل بالعراق في العام ١٩٩١.
وأياً كانت نتيجة المفاوضات اليوم، الحرب أو أختها التي لن تكون أقل سوءاً منها، فإننا موعودون بحقبة ممتدة من اللاستقرار.
تغير وجه العالم مرات عديدة منذ العام ١٩٩١، ولم يتغير الواقع السياسي العربي إلى الأفضل. لا تزال دالة الأمن القومي العربي في مهب الريح.
موعظة تاريخية:
في العام ١٤٩٢ استنجدت غرناطة، قلعة العرب الأخيرة في أسبانيا، بالمسلمين شرقاً وغربا. كانت شريطاً ساحليا طوله ٨٢ كم على المتوسط، يشابه إلى حد قطاع غزة. انتهى حصارها باتفاق استسلام، قالت شروط الاستسلام إن حقوق المسلمين ستصان، ثم ألقي جثثهم إلى المتوسط من على ظهور السفن!
سرعان ما وصلت سفن البرتغال، جارة أسبانيا، إلى موانئ حضرموت وعمان في العام ١٥٢٣، إلى أبعد مكان عربي ظن أنه بمنأى عمّا يجري في غرناطة!
ما سيحل بإيران سيزعزع كل شيء.،وليس أسوأ من إيران الراعية للجهادية الشيعية، سوى إيران الممزقة والمنفجرة.
تعالت إيران كثيرا على جيرانها وعلى شعبها ووقعت في خطيئة صدام، وها هي تجر المنطقة كلها خلفها إلى المجهول، وكم تبدو مكسورة الجناح وهي وحيدة في مواجهة الطوفان، بعد رهان طويل على كيانات خارجة عن القانون على حساب الأمن العربي- الفارسي المشترك.