شرق أوسط جديد ونهاية مرحلة الثورة الاسلامية الايرانية
ما يجري يتجاوز كونه حربًا تقليدية ،فالكثير من مؤشراته توحي بأنه صراع على الممرات الطاقة ، النفوذ التحالفات ، تحجيم دور إيران ،كبح او إنهاء مشروعها كقوة إقليمية ،وهو ما يفضي في محصلته إلى:
"إعادة رسم ملامح النظام الإقليمي في الشرق الأوسط "
تابعت خلال الأيام الماضية ما يجري دون أن أسارع إلى التعليق، ليس غيابًا عن المشهد، فقد سبق أن أشرت في كتابات سابقة متعددة أن المنطقة مقبلة على تحولات كبرى ،قد تعيد رسم توازناتها ، وتنهي مرحلة كاملة من صراعات ومحاور المنطقة وتشكيل معادلات وتوازنات إقليمية جديدة.
لكنني آثرت التريث قليلًا حتى تتضح بعض ملامح ما يجري، بعيداً عن ضجيج اللحظات الأولى للحرب ،ولفهم ما يجري اليوم في الشرق الأوسط، من المهم قراءة الأحداث ضمن سياقها التاريخي، والعودة قليلاً إلى لحظة مفصلية غيرت ملامح المنطقة لعقود طويلة.
لا يكفي النظر إلى الأحداث الجارية بمعزل عن سياقها التاريخي ،فالصراعات الكبرى لا تولد فجأة بل تتشكل عبر مراحل مفصلية ،رسمت موازين القوى والنفوذ سابقاً،
وتتصل اليوم بإعادة تشكيل النظام الإقليمي الذي ساد في الحقبة السابقة
ومن هنا تبدو العودة قليلًا إلى الماضي ضرورية إلى محطة مفصلية ،شكلت ملامح النظام الإقليمي لعقود ،وهي مرحلة 1979 العام الذي شهد قيام الثورة الإيرانية، وتوقيع اتفاقية كامب ديفيد، وبداية تحولات سياسية وأيديولوجية عميقة أعادت رسم موازين النفوذ بالمنطقة حينها
لتتشكل بعدها منظومة صراع وتحالفات ،حكمت المشهد الإقليمي طوال العقود اللاحقة ،غير أن الصراع الذي عُرف طويلاً باعتباره صراعاً عربياً-إسرائيلياً
أخذ يتحول تدريجياً إلى مشهد أكثر تعقيداً ،حيث انتقلت بؤرة المواجهة نحو صراع إقليمي متعدد الأطراف، ولكن تتداخل فيه حسابات النفوذ والتوازن الاستراتيجي، والممرات الحيوية للطاقة والتجارة.
وهكذا لم تعد حروب المنطقة تُدار وفق معادلات الأمس كحروب تقليدية، بين دول أو عبر جبهات محددةوواضحة ،بل ضمن مخاض إعادة تشكيل ميزان القوة والنظام الإقليمي في الشرق الأوسط .
ما يجري في منطقتنا ليس حرباً تقليدية بين أطراف متقابلة، او مع ماعرف تاريخياً بدول الطوق ،بل صراع متعدد الطبقات يتداخل فيه العسكري بالسياسي والاقتصادي، وتتقاطع فيه حسابات القوى الكبرى والإقليمية معاً.
حرب .. بل حروب تُدار على أكثر من مستوى، وتتجاوز ميادين القتال، إلى إعادة رسم موازين القوى لتطال بنية النظام الإقليمي نفسه .
إذ تتحرك فيه القوى الكبرى والإقليمية بشكل مباشر وغير مباشر ،في العلن وخلف الكواليس ،وبالقوة الناعمة والخشنة معاً ،لإعادة ترتيب اولوياتها ورسم خرائط النفوذ بالشرق الأوسط ،وكسر توازن الردع القائم بما يمهد لتحولات أوسع.
وفي عمق هذا المشهد تبدو الحرب في جوهرها، حرب الممرات الاستراتيجية ومصادر الطاقة ومسارات النفوذ ،في محاولة لفرض ميزان قوة جديد يحدد شكل الشرق الأوسط للعقود القادمة .
ولهذا فإن تداعيات هذا الصراع لن تقتصر على حدود المواجهات العسكرية ،ففي الشرق الأوسط كثيرًا ما تنتهي الحروب، لكن آثارها هي التي تعيد كتابة الجغرافيا السياسية للمنطقة لمرحلة اخرى وتفتح فصلاً جديدًا في تاريخها .