في العصر الرقمي قد تصبح الكذبة أكثر سرعة من الحقيقة نفسها.. فلا يحتاج إشعال الكراهية اليوم إلى جيوش جرارة أو إذاعات تعبئة كلاسيكية، كما كان الحال في القرن الماضي.. يكفي هاتف ذكي وبرنامج تركيب صور وقليل من الغضب المختزن في النفوس، حتى تتحول صورة مفبركة أو مقطع مزيف إلى مادة لإثارة الضغائن بين المجتمعات.
في الأسابيع الأخيرة انتشرت في فضاء الإعلام الرقمي صور تدعي إقامة زواج بين فتاتين في إحدى الدول، وأي متابع يملك الحد الأدنى من المعرفة التقنية يدرك بسهولة أنها صور مركبة عبر الذكاء الاصطناعي أو برامج التلاعب الرقمي.. غير أن المشكلة لم تكن في الصورة نفسها، بل في سرعة استقبالها وترويجها وكأنها حقيقة مكتملة؛ فقد استقبلها السذج على أنها حقيقة وصدحت الأنفس بالكراهية.
هنا يبرز مثال التزاوج الخطير بين الذكاء الاصطناعي والغباء الإنساني، الأول ينتج الأكاذيب بإتقان متزايد، والثاني يمنحها الحياة والانتشار والتصديق. اللافت أن بعض من يقدمون أنفسهم باعتبارهم حراس الفضيلة وقعوا في الفخ بسهولة، فانهالت الاتهامات على مجتمع كامل، وجرى التعميم على دولة بأكملها، ووصل الأمر لدى بعض المتحمسين إلى لغة التكفير والانحلال الأخلاقي.. وكأن ملايين البشر يمكن اختزالهم في صورة مجهولة المصدر أو مقطع لا تتجاوز مدته ثواني معدودة.
هذه ليست حالة منفردة، فقد انتشرت خلال السنوات الماضية مقاطع مزيفة عن حفلات صاخبة، أو إساءات دينية، أو مظاهر بذخ مبالغ فيها، أو تصرفات فردية شاذة يجري تقديمها باعتبارها الصورة الحقيقية لمجتمعات بعينها، وفي كثير من الأحيان يتم اقتطاع مشاهد من دول أخرى، أو إعادة تركيبها تقنياً، ثم ضخها عبر حسابات منظمة أو أفراد مدفوعين بالرغبة في الإثارة أو الشهرة أو التشفي.
الأخطر أن بعض الجمهور العربي يسهم، بحسن نية أحياناً، في نشر هذه المواد، فثقافة إعادة الإرسال أصبحت أقوى من ثقافة التحقق.. والرغبة في الظهور أو تحقيق التفاعل السريع، بعكس التأني، تدفع كثيرين إلى تداول مواد سامة دون إدراك لأبعادها السياسية والاجتماعية.
المسألة هنا ليست أخلاقية فقط، بل سياسية بامتياز.. ففي أوقات الصراعات الكبرى، تصبح الحرب على الصورة الذهنية أخطر من الحرب العسكرية نفسها.
هناك، مثلاً، محاولة مستمرة لشيطنة دول الخليج ومجتمعاتها، عبر تصويرها باعتبارها كيانات منفصلة عن محيطها العربي، أو مجتمعات غارقة في الترف والخلاعة، أو دولاً بلا قضية ولا هوية.
ومع تصاعد التوترات الإقليمية، خاصة بعد دخول إسرائيل والولايات المتحدة في المواجهة مع إيران، جرى استغلال هذه الأجواء لتوسيع دائرة التحريض ضد الخليج، الهدف النهائي واضح: خلق بيئة نفسية عربية تعتبر أن أي ضرر يصيب هذه الدول أمر مستحق، أو على الأقل لا يستحق التعاطف.. وهذه أخطر مراحل صناعة الكراهية، أي تحويل الضحية المحتملة إلى متهم في وعي الجمهور.
التاريخ يعلمنا أن الشيطنة المنظمة كانت دائماً تمهيداً للعزل أو العنف أو التبرير الأخلاقي للإضرار بالآخرين.. وقد شهد العالم نماذج كثيرة لذلك، من الدعاية النازية ضد اليهود، إلى حملات الكراهية العرقية في رواندا ويوغوسلافيا السابقة.
تبدأ القصة غالباً بصورة نمطية أو إشاعة أو نكتة ساخرة، ثم تتراكم حتى تصبح حقيقة في الوعي الجمعي. المؤسف أن بعض العرب يشاركون في هذه العملية ضد مجتمعاتهم الشقيقة، إما بدافع الغضب السياسي، أو الحسد الاجتماعي، أو الإرث الأيديولوجي الذي يرى في نجاح الخليج الاقتصادي سبباً للاستفزاز لا للإعجاب.. صحيح أن دول الخليج ليست مجتمعات مثالية، فلا توجد دولة بلا أخطاء أو سلبيات، لكن تحويل الأخطاء الفردية الحقيقية أو المفبركة إلى أداة لتشويه شعوب كاملة هو انحدار أخلاقي ومعرفي خطير.
في النهاية، المشكلة ليست في الذكاء الاصطناعي وحده، بل في قابلية بعض البشر لأن يتحولوا إلى أدوات مجانية لنشر الكراهية.. فالتقنية بلا عقل نقدي قد تصبح مصنعاً للأوهام، وبوابة مفتوحة لتحطيم الثقة بين المجتمعات العربية.




