قي بلدٍ يعاني من ويلات الصراعات وتعددت فيه خطوط الانقسام، تبدو فكرة المواطنة المتساوية في اليمن أقرب إلى حلم مؤجل. لكن الحقيقة الأهم هي أن هذا الحلم ليس خيالًا ولا شعارًا سياسيًا عابرًا، بل ضرورة أساسية لبقاء المجتمع نفسه.
فحين يشعر الإنسان أنه أقل شأنًا من غيره، أو أن حقوقه مرهونة بانتمائه، فإن الشقوق في جدار النسيج الاجتماعي تبدأ بالاتساع، وقد يصعب ترميمها لاحقًا.
المواطنة المتساوية لا تعني فقط أن ينص القانون على المساواة، بل أن يلمسها الناس في تفاصيل حياتهم اليومية. أن يحظى الفرد على فرصة عادلة في التعليم والعمل، وأن يُعامل باحترام في المؤسسات، وأن يشعر بالأمان في التعبير عن رأيه أو معتقده دون خوف أو تمييز. هذه التفاصيل الصغيرة هي التي تصنع المعنى الحقيقي للمواطنة، وليس فقط النصوص المكتوبة.
اليمن، بتاريخه الطويل، لم يكن يومًا مجتمعًا أحاديًا. بل هو فسيفساء من الثقافات والعادات والمذاهب والأديان والانتماءات. وهذا التنوع، بدل أن يكون مصدر صراع، يمكن أن يكون مصدر قوة إذا أُدير بوعي.
المشكلة ليست في الاختلاف، بل في الطريقة التي يُنظر بها إليه. حين يتحول الاختلاف إلى مبرر للإقصاء، فإنه يصبح عبئًا. أما حين يُفهم كمساحة للتكامل، فإنه يفتح آفاقًا جديدة للتعاون.
على أرض الواقع، لا يمكن إنكار وجود مظاهر تمييز متعددة، بعضها واضح وبعضها خفي، أكانت مقصودة أو دون قصد. هناك من يُستبعد من فرص معينة بسبب منطقته أو اسمه أو خلفيته الاجتماعية أو مذهبه أو حتى دينه.
وهناك من يضطر لبذل جهد مضاعف لإثبات جدارته في بيئة لا تمنحه الثقة بسهولة. هذه التجارب اليومية تترك أثرًا عميقًا في النفوس، وتخلق شعورًا بعدم الانتماء، حتى داخل الوطن نفسه.
ومع ذلك، لا يخلو المشهد من نقاط مضيئة. في كثير من المدن والقرى اليمنية، ظهرت مبادرات يقودها شباب وشابات يسعون إلى تجاوز هذه الحواجز. يعملون معًا في مجالات التعليم، والإغاثة، والتنمية المجتمعية، دون أن يسألوا كثيرًا عن خلفيات بعضهم البعض. هذه النماذج، رغم محدوديتها، تُظهر أن التغيير ممكن حين تتوفر الإرادة.
ومن الزوايا التي تستحق التوقف عندها، دور المبادرات المحلية الصغيرة التي غالبًا ما لا تحظى بالاهتمام الكافي. في بعض الأحياء، نجد أفرادًا يبادرون لحل نزاعات بسيطة بين الجيران بروح من الإنصاف، بعيدًا عن التعصب أو الانحياز.
وفي أماكن أخرى، تُنظم لقاءات مجتمعية غير رسمية تجمع أشخاصًا من خلفيات مختلفة للحوار حول قضايا مشتركة، كالتعليم أو الخدمات أو سبل تحسين الظروف المعيشية. هذه الجهود، رغم تواضعها، تعكس فهمًا عميقًا لفكرة أن التغيير لا يبدأ من القرارات الكبرى فقط، بل من العلاقات اليومية التي نبنيها مع بعضنا البعض.
كما أن دعم هذه المبادرات، سواء من قبل المؤسسات أو الأفراد أو المجتمع، يمكن أن يضاعف أثرها ويحولها إلى نماذج قابلة للتكرار في مناطق أخرى. فحين يرى الناس أمثلة حية على إمكانية التعايش والعمل المشترك، يصبح من الأسهل عليهم أن يؤمنوا بأن المواطنة المتساوية ليست مجرد فكرة مثالية، بل واقع يمكن تحقيقه تدريجيًا.
من المهم أيضًا أن ندرك أن المواطنة ليست مسؤولية الدولة وحدها، رغم دورها المحوري. هي مسؤولية مشتركة تبدأ من الأسرة، حيث يتعلم الطفل أول دروس القبول أو الرفض. تمتد إلى المدرسة، التي يمكن أن تكون إما مساحة لتعزيز التنوع أو لتكريس الصور النمطية. وتصل إلى الإعلام، الذي يملك قدرة هائلة على تشكيل الوعي، إما بتغذية الانقسامات أو ببناء جسور الفهم.
في هذا السياق، يصبح الخطاب العام عاملًا حاسمًا. الكلمات ليست محايدة دائمًا؛ فهي قادرة على أن تداوي أو أن تجرح. حين يُستخدم خطاب يحترم كرامة الجميع، ويبتعد عن التعميمات الجارحة، فإنه يخلق بيئة أكثر صحة للحوار. أما حين يسود خطاب الإقصاء، فإنه يعمّق الفجوات ويجعل من الصعب بناء أي أرضية مشتركة.
ولا يمكن فصل المواطنة المتساوية عن مفهوم العدالة. فحين يشعر الناس أن القانون لا يُطبق على الجميع بنفس المعايير، أو أن بعض الفئات تتمتع بامتيازات غير مبررة، أو أن القوانين الموجودة تُقصي بعض مكونات المجتمع، فإن الثقة تتآكل تدريجيًا. العدالة هنا ليست مجرد أحكام قضائية، بل هي إحساس عام بالإنصاف، يظهر في توزيع الفرص، وفي طريقة إدارة الموارد، وفي قدرة المؤسسات على خدمة الجميع دون تمييز.
رغم التحديات الكبيرة، هناك مجال حقيقي للأمل. فالتاريخ يُظهر أن المجتمعات قادرة على إعادة بناء نفسها، حتى بعد فترات طويلة من الانقسام. لكن ذلك يتطلب عملًا واعيًا ومستمرًا. يبدأ بتغيير نظرتنا للآخر، والتخلي عن الأحكام المسبقة، والاستعداد للاستماع قبل إصدار الأحكام. هذه الخطوات قد تبدو بسيطة، لكنها تشكل الأساس لأي تحول حقيقي.
كما أن الاستثمار في الجيل الجديد يمثل فرصة لا يجب تفويتها. فالشباب اليوم أكثر انفتاحًا على أفكار جديدة، وأكثر استعدادًا لتحدي الأنماط التقليدية التي لم تعد تخدم الواقع. إذا تم دعمهم بالمعرفة والفرص، يمكن أن يكونوا القوة الدافعة نحو مجتمع أكثر عدلًا وتوازنًا.
في نهاية المطاف، لا يمكن فرض المواطنة المتساوية من الأعلى فقط، ولا يمكن تحقيقها بقرارات سريعة. هي عملية تراكمية، تُبنى خطوة خطوة، من خلال ممارسات يومية تعكس احترام الإنسان كقيمة أساسية. حين نصل إلى مرحلة يُعامل فيها كل فرد بكرامة، ليس لأنه ينتمي إلى فئة معينة، بل لأنه إنسان، عندها فقط يمكن القول إننا بدأنا نسير في الطريق الصحيح.
اليمن الذي يتسع للجميع ليس فكرة بعيدة المنال، بل مشروع يمكن العمل عليه، إذا توفرت النية الصادقة والرؤية الواضحة. وبين الواقع الصعب والأمل الممكن، تبقى المسؤولية مشتركة، والفرصة قائمة لمن يختار أن يكون جزءًا من الحل، لا من المشكلة.





