جزء من العدالة تحقق أخيراً بعد سنوات طويلة من الألم والمعاناة، بإحالة عدد من المخفيين قسرًا إلى القضاء، وهي خطوة لا يمكن إنكار أهميتها، لكنها في الوقت نفسه تكشف حجم الكارثة أكثر مما تُنهيها، لأن ملف الإخفاء القسري لا يزال مفتوحًا، ولأن العدالة حتى اليوم تُدار بمنطق الانتقاء لا بمنطق الدولة والقانون.
فالحديث لم يعد عن من خرجوا من السجون السرية فقط،
بل عن أولئك الذين ما زالوا حتى هذه اللحظة خلف القضبان، داخل معتقلات غير قانونية تابعة لمحور طور الباحة، بلا محاكمات عادلة، وفي ظل أوامر وتوجيهات قضائية بالإفراج أو الإحالة يتم تجاهلها ورفض تنفيذها، وبلا حقوق، وبلا حتى إعلان واضح عن مصير بعضهم حتى اليوم.
هناك أمهات ينتظرن أبناءهن منذ سنوات، وهناك أسر لا تعرف هل أبناؤها أحياء أم تحت التراب، وهناك معتقلون تتحدث شهادات ومعلومات حقوقية متداولة عن تعرضهم لأبشع أنواع التعذيب والانتهاكات الجسدية والنفسية داخل تلك السجون، حتى انتهى الأمر ببعضهم إلى الموت داخل المعتقلات في ظروف غامضة ومروعة.
ونحن هنا لسنا بصدد الدفاع عن أحد أو إدانة أحد،
فالقضاء وحده صاحب الاختصاص.لكن السؤال الذي يصرخ في وجه الجميع: إذا كانوا متهمين فعلًا… فلماذا تم احتجازهم لثلاث أو أربع سنوات في سجون سرية خارج إطار الدولة؟
ولماذا لم يُحالوا منذ اللحظة الأولى إلى النيابة والقضاء
المختص كما ينص القانون؟
ولماذا تم نقل بعضهم لاحقًا إلى سجون خاضعة لإشراف النيابة والجهات القضائية في عدن، إذا كانت إجراءات احتجازهم قانونية أصلًا منذ اليوم الأول، وكان يفترض بالقانون إحالتهم مباشرة إلى القضاء بدل إبقائهم لسنوات في سجون سرية خارج إطار الدولة؟
الحقيقة المؤلمة أن ما جرى لا يمكن تبريره بشعارات أمنية أو حملات إعلامية أو اتهامات جاهزة.
فالقانون لا يمنح أي جهة حق إخفاء البشر وتعذيبهم وحرمانهم من المحاكمة لسنوات، ثم محاولة تقديم الأمر لاحقًا وكأنه "إجراء قانوني طبيعي".
أسر المخفيين قسراً والضحايا لا يطالبون بالمستحيل،
ولا يبحثون عن امتيازات أو مكاسب خاصة،بل يطالبون فقط بأبسط الحقوق التي كفلتها الشرائع السماوية والقوانين الإنسانية لكل إنسان:
إحالة جميع أبنائهم إلى القضاء المختص دون استثناء، و
الكشف الكامل والفوري عن مصير جميع المخفيين قسرًا، و
إغلاق السجون غير القانونية بشكل نهائي ،وفتح تحقيق مستقل وشفاف في كل ما شهدته تلك المعتقلات ،من تعذيب وإخفاء وانتهاكات وابتزاز وقتل خارج إطار القانون.
كما يطالبون بكشف مصير بقية المعتقلين ،الذين ما زالوا حتى هذه اللحظة يُنقلون بين سجون محور الجبولي – فرع الشمايتين، وسجون إدارة أمن الشمايتين، وسجون المقاطرة، وسجون طور الباحة، وغيرها من أماكن الاحتجاز التي تحولت إلى شبكة سجون متنقلة تُدار خارج سلطة الدولة، وبعيدًا عن أي رقابة قضائية أو إنسانية حقيقية.
ومن بين هؤلاء معتقلون خرجوا بأجساد محطمة وآثار تعذيب لا تخطئها العين،وآخرون لم يخرجوا أحياء أصلًا، مثل أبو بكر عباد وغيره من الضحايا الذين تحولت قصصهم إلى شهادات دامغة ومرعبة، على حجم الانتهاكات التي ارتُكبت خلف أبواب تلك السجون المعتمة.
إنها ليست مزاعم عابرة،بل صرخات أمهات ،وآهات معتقلين،وملفات دم ما زالت مفتوحة حتى اليوم،وهنا يبرز السؤال الأخطر أين بقية المظلومين؟
وأين النواب والحقوقيون والناشطون ووسائل الإعلام؟
ولماذا تتحول بعض القضايا إلى رأي عام، بينما يُترك آخرون لمصيرهم المجهول فقط ،لأنهم لا يملكون نفوذًا أو منابر أو جهات تتحدث باسمهم؟
إن السكوت عن السجون السرية جريمة بحد ذاته،
والتعايش مع الإخفاء القسري سقوط أخلاقي وقانوني وإنساني كامل ،فالعدالة لا تُجزأ، ولا تُقاس بالأسماء أو المناطق أو النفوذ، ولا يمكن أن تكون عدالة حقيقية إذا أنقذت بعض الضحايا وتركت البقية يواجهون الموت بصمت خلف الجدران.
إما دولة تحترم القانون وتحمي كرامة الإنسان،أو عصابات تدير السجون باسم الدولة. ولا يوجد بينهما طريق ثالث.




