الثلاثاء، 14 يوليو 2026 | الموافق ٢٨ محرم ١٤٤٨ هـ
الرأي

‏صنعاء.. المدرج الذي تحدّث

ما يجري في اليمن ليس معركة عابرة

مدرج مطار صنعاء لم يكن مجرد شريط إسفلت أصابته غارة؛ كان سطراً جديداً في سجل الصراع على السماء اليمنية. الضربة لم تستهدف حجراً ولا حديداً، بل استهدفت قصة كان يُراد لها أن تُكتب فوق رؤوس اليمنيين: أن طائرات إيران تستطيع أن تهبط في العاصمة كما تشاء، وأن قرار المطار غادر يد الدولة إلى يد جماعة ترفع شعار «كسر الحصار» وتتصرف بمنطق الأمر الواقع.

لأيام قليلة، كان المشهد يميل لصالح تلك القصة: طائرة إيرانية تهبط في صنعاء، وبيانات حوثية تتحدث عن «سيادة» و«حق طبيعي» في الخط الجوي إلى طهران، وضجيج إعلامي يحاول إقناع الداخل والخارج بأن السماء باتت امتداداً لنفوذ الجماعة على الأرض. لكن طهران لا تكتفي بمشهد واحد؛ أرادت أن تتحول الرحلة إلى عادة، وأن يتحول «الاستثناء» إلى جدول مواعيد على شاشة المطار.
عند هذه النقطة تحركت الدولة اليمنية.

لم يكن قرار استهداف المدرج رداً انفعالياً على طائرة بعينها، بل رداً على فكرة الجسر الجوي قبل أن يشتد عوده. هبوط طائرة ثانية كان سيعني أن الخط أصبح أمراً واقعاً، وأن التراجع عنه لاحقاً سيكون مكلفاً سياسياً وأمنياً. الضربة جاءت لتقطع هذا المسار مبكراً، وتقول إن الطريق بين طهران وصنعاء لا يُفتح ببيانات جماعة، ولا بمناورات شركة طيران تحمل سجلاً مثقلاً بعلاقاتها مع الحرس الثوري.

ما يلفت في هذه الجولة أن الفرق بين الدولة والميليشيا ظهر في التفاصيل الصغيرة. القوات اليمنية تعاملت مع المطار كما تتعامل أي حكومة مع منشأة سيادية: حدّدت الهدف، وأنذرت، ثم ضربت المدرج نفسه، وتركت الطائرة تبحث عن مدرج آخر.

لم يكن المطلوب إسقاط الطائرة في لحظة الهبوط، بل منعها من أن تسجِّل نقطة دائمة على خارطة الطيران. وفي النهاية، هبطت في الحديدة، لكن عنوان القصة بقي في صنعاء: المطار الذي لم يُفتح للجسر الجوي الإيراني.

في الجانب الآخر، استخدمت جماعة الحوثي الطيران المدني كدرع سياسي. قدّمت الرحلة الأولى على أنها إنسانية، تقل وفداً ومرضى وعالقين، ثم ربطتها بخطاب «الحصار» و«المظلومية». هذه وصفة مألوفة في المنطقة؛ تبدأ بقضية إنسانية، وتنتهي بخط نفوذ عسكري تحت غطاء الرحلات التجارية. محاولة تكرار هذه الوصفة في صنعاء اصطدمت بقرار عسكري – سياسي واضح من الدولة اليمنية، جعل من المدرج خط وقف لا خط وصول.

خلف كل ذلك، تقف إيران، لا شركة طيران ولا جماعة محلية فقط. شركة الطيران هذه ليست مجرد اسم على ذيل طائرة؛ هي جزء من شبكة نقل استخدمتها طهران في جبهات أخرى، من سوريا إلى لبنان، لنقل رجال ومعدات تحت عنوان الطيران المدني.

أن تحطّ هذه الطائرة في مطار صنعاء دون تنسيق مع الحكومة اليمنية ،يعني أن طهران تخطو خطوة إضافية في تحويل اليمن إلى محطة معلنة في خريطة حضورها الإقليمي، بدلاً من أن تبقى مجرد ساحة بعيدة تتحرك فيها عبر البحر والتهريب.

هنا تدخل الرياض والتحالف في الصورة، ولو لم يُذكر اسماهما في كل بيان. أي خط جوي بين طهران وصنعاء هو خط جديد على هامش الخليج وعلى مقربة من الحدود السعودية.

نجاح الدولة اليمنية في قطع أول خيط من هذا الخط يهمّ الرياض بقدر ما يهمّ صنع القرار في عدن؛ لأنه يضيّق مساحة المناورة أمام إيران، ويُظهر أن الطريق إلى العاصمة اليمنية ليس مفتوحاً، أمام طائرات تحمل سجلات سوداء، حتى لو تنكرت في هيئة رحلات مدنية.

على مستوى الداخل، تستثمر الشرعية هذه اللحظة لتقول إنها ليست مجرد طرف يجلس إلى طاولة مفاوضات، بل سلطة تحتفظ بأدوات القرار الصعب.

استهداف المدرج، ثم السماح للطائرة بأن تهبط اضطرارياً في مطار آخر، يجمع بين رسالتين: الأولى أن الخط الجوي إلى صنعاء لن يمر، والثانية أن أرواح المدنيين ليست وقوداً لمعركة الصورة. بهذه المعادلة، تُبعد الحكومة عن نفسها تهمة التهور، وتقترب من صورة السلطة التي تعرف لماذا تضرب وأين تتوقف.

الخط الذي حاول الحوثي وطهران رسمه على خريطة اليمن، من طهران إلى صنعاء، لم يكتمل. بقي خطاً متقطعاً؛ رحلة أولى هبطت وحاولت أن تفرض واقعاً جديداً، ثم جاءت ضربة المدرج لتضع إشارة «انتهى الوقت».

السؤال الآن ليس إن كانت الطائرة هبطت هنا أو هناك، بل إن كان الجسر الجوي قد وُلد فعلاً أم أُسقط وهو في المهد. حتى هذه اللحظة، يبدو أن المشروع تعثر قبل أن يتخذ شكله الكامل، وأن السماء اليمنية ما زالت قادرة على قول «لا»، حتى لو كانت الأرض مرهقة بحروب طويلة.