الجمعة، 24 يوليو 2026 | الموافق ٨ صفر ١٤٤٨ هـ
الرأي

سلطة متفلّتة من التزاماتها

سلطة متفلّتة من التزاماتها

أكثر ما يمنع تشكل الدولة الفاعلة في المناطق التي لا تخضع لمليشيات الحوثي، هو تمدد شبكات المصالح السياسية التي تغلغلت في النسيج المؤسسي، وأصبح القرار لا يُبنى على معايير، بل على تفاهمات سطحية تغذيها التوازنات التي تتفاعل بناءً على طبيعة غياب رجل الدولة الحقيقي وانهيار المشروع الوطني.

هذه هي الإشكالية، وما زال هناك من يتجه إلى تعميق هذه الأزمة، ومع كل فترة أو قرار أو تشكيل حكومي، نصل إلى الجزم بأن الكارثة ما زالت تتعمق أكثر، وأن قرارنا نحن اليمنيين ليس بأيدينا، وأن الأقطاب الإقليمية التي وجدت نفسها تخوض الصراع ضدنا، هي من تركت هذه المساحة من التدمير المنظم للمجتمع وللدولة والمؤسسات.

مصيرنا أن هناك من يقرره لنفسه، سواء دول قريبة أو بعيدة، أو الأحزاب، وتشكل بناءً على ذلك حاجز منيع بين القناعة والفعل السياسي، الذي وصلت فيه السلطة إلى حد التطرف.

وعندما تخرج سلطتنا لتتحدث عن معركتنا ومعركتها، فإنها تعيش تناقضًا أكبر في أن تكون جزءاً من شعب هي من تدمره، وهي من تجوّعه، وهي من تخوض فسادها على حساب حياته البسيطة.

والأغرب أن هذه السلطة الشرعية هي من تحاول التفلّت من الالتزامات السياسية والاقتصادية تجاهه، والمشكلة الأخطر أن اليمنيين لم تعد لديهم ثقة بسلطات خارجة عن إرادتهم، تمنح نفسها الامتيازات، وتحول التوظيف غير القانوني إلى حق مكتسب، بناءً على التحايلات والتفاهمات السياسية والشخصية، ولذا لا يمكن لسلطة غبية أن تمثل شعباً في قضيته الكبرى للتحرر من الحوثي.

هذا التفلت والبراغماتية غير الواضحة في سياق بناء السلطة اليمنية ضمن الدائرة الإقليمية، لم يعد يراه اليمنيون مقبولاً.

فعندما رفض اليمنيون الدور الإيراني، فإنهم في ذات الوقت وصلوا إلى قناعة متأخرة، بأنهم خسروا الكثير، وأصبحوا يعيشون ضحية الحرب والنهب والاستغلال الذي مارسته مليشيات الحوثي التي حاولت إذلال اليمنيين.

وهذا ما يعيشه اليمنيون أيضاً في المناطق التي لا تخضع للحوثيين، فالسلطة تبرهن يوماً بعد يوم أنها مجرد إطار شكلي من التفاهمات الخارجية، سواء الإقليمية، إلى جانب فساد النخبة الداخلية والأحزاب السياسية اليمنية، في تحويل السكان والمواطنين المنكوبين بوجودها والمسيطر عليهم، ليكونوا إقطاعيات وأدوات جبايات.

ومن هذا الواقع، لا يمكن أن تواجه مليشيات وتحرر وطناً، فيما واقع المناطق التي تخضع لهذه السلطة ما زالت مجمدة، وحركة الواقع والعدالة والتنمية معطلة.

فيما لا يمكن لرئيس يتحدث عن مليشيات قطعت وأعاقت الرواتب، وعرقلت أي إجراءات أو تفاهمات للوصول إلى حلول، فيما سلطته هي من تتحايل على زيادة المرتبات ولا تقوم بصرفها كل شهر.

وحتى العلاوات والتسويات و20 في المائة لغلاء المعيشة، هي مجرد سياسات وإجراءات من الخداع السياسي المبطن، لتعزيز واقع سلطة فاشلة وغبية.

كل ما وضعته السلطة المعترف بها هو أنها خلقت فراغاً سياسياُ وقانونياً ودستورياً، ونتيجة لتناقضات قراراتها، فإن انعكاسات السياسات الفاشلة ما زالت تؤثر على حياة الناس.

ومع تجاوزات آثار سياسات هذه السلطة التي جاءت في أبريل من عام 2022، فيما كان واقع أسعار العملات منخفضاً، فأدى غياب مسؤولياتها إلى تدمير حياة الناس ومعيشتهم، وتحويلهم إلى مواطنين يعيشون في أسوأ أوضاعهم، في ظل فشل السلطة وفسادها وغياب تمثيلها لمصالحهم الأساسية والقانونية.