إذا أردنا تشريح ظاهرة الاستهداف المنهجي للقيادات السلفية داخل صفوف الشرعية وطرح سؤال من المستفيد بجرأة وتجرد من المجاملات السياسية والاصطفاف، فإن الإجابة لن تتطلب عناء في البحث لأن كل خيط يؤدي حتمًا وفي كل مرة إلى جماعة الإخوان، ولفهم هذا التوجه الدموي، لا يكفي مجرد الرصد الأمني السطحي بل يجب بالضرورة الغوص في عمقين، الأول إيديولوجي تاريخي ممتد، والثاني استراتيجي عسكري بحت.
وسنبدأ أولاً من الهاوية الإيديولوجية للصراع الوجودي بين السلفية والإخوان، ولفهم دوافع الإخوان الدموية، يجب فهم أن الصراع مع السلفية ليس مجرد تنافس على مقاعد وزارية أو نفوذ قبلية بل هو حرب وجودية وإيديولوجية ضارية تعود جذورها إلى عقود.
الإخوان ككيان منظماتي يؤمن بالإسلام السياسي وبأن الحزبية هي الوسيلة الوحيدة لتمكين الدين، ويرى في نفسه أنه الممثل الشرعي الوحيد للصحوة الإسلامية، في المقابل المنظومة السلفية بمختلف تياراتها خاصة التي تفاعلت مع المتغيرات الإقليمية تنظر إلى الحزبية بأنها بدعة وتفرقة للصف وتؤمن بمرجعية النص والولاء للسلطة القائمة وترفض تسييس الدين لصالح أجندات تنظيمية.
تاريخيًا، ينظر الإخوان إلى الصحوة السلفية في اليمن، وخاصة بعد دعمها الأخير إقليميًا على أنها مشروع مضاد مفصل خصيصًا لكسر احتكارهم الديني والسياسي والعسكري على الدولة ومؤسساتها.
وفي أدبيات الإخوان المتطرفة، يصنف السلفيين خاصة من يوالوا التحالف العربي بقيادة السعودية ضمن خانات أدوات الأنظمة أو ما يسمونه فقه التصفير.
وبالمقابل، السلفية التاريخية والسياسية في اليمن تنظر للإخوان ككيان خارجي غير وطني دخيل على النسيج الاجتماعي اليمني، وتحمله مسؤولية تمكين الحوثيين تاريخيًا عبر تحالفاته المصلحية.
وتعتبره تنظيم حزبي ضيق يغلب مصلحة تنظيمه على مصلحة الدولة والمجتمع والدين، وهذا الصراع لم يكن يومًا حبر على ورق أو سبب في منصات التواصل، بل هو صراع على الحق الإلهي المزعوم في قيادة المجتمع، وعندما يترجم هذا الصراع في دولة فاشلة ومقسمة مثل بلادنا، فإنه يتحول حتمًا إلى صراع على السلاح والمؤسسة.
وعلى المستوى الاستراتيجي، القوة السلفية في اليمن لم تعد مجرد ظاهرة اجتماعية أو دينية ،بل تحولت إلى قوة عسكرية وميدانية ضاربة يسهل تمييزها وتعريفها بدءً من ألوية اليمن السعيد وقوات درع الوطن وألوية العمالقة.
وهذا الصعود العسكري السلفي يأتي حصريًا على حساب نفوذ الإخوان في مؤسستي الجيش والأمن، والإخوان كتنظيم يعتمد في بقائه وابتزازه للشرعية والتحالف على البنية العميقة التي بناها داخل المؤسسة العسكرية والأمنية، يفهم بأن أي صعود لقوة سلفية مستقلة وتملك ولاءها المباشر وتتمتع بغطاء قبلي وميداني، يعني بالضرورة تقليص حصة جماعة الإخوان في الكعكة العسكرية، وشل قدرتهم على التحكم أو حتى التأثير في مفاصل القرار العسكري والأمني.
وبالنسبة للإخوان، القوة السلفية ليست حليف في المعركة ضد الحوثي، بل منافس وجودي يهدد احتكارهم للعنف داخل الشرعية، ولذلك فإن تقليصها أو تصفيتها ليس فقط خيار تكتيكي بقدر ما هو ضرورة تنظيمية للبقاء.
ولو طبقنا هذه القراءة الإيديولوجية والاستراتيجية على مسار الاغتيالات ومحاولات التصفية، ستتكشف لنا خريطة تطهير داخلي يديرها جناح الأمن الخاص والحزبي للإخوان بالشراكة مع الحوثي وليس مجرد عمليات فلتان أمني.
فاغتيال العميد عبدالرزاق البقماء كان رسالة واضحة لحظة التأسيس لألوية اليمن السعيد في بداية تشكيلها، وهذا التشكيل يمثل نواة قوة سلفية مستقلة تمامًا عن هيمنة الإخوان في مأرب والشرعية.
وكان تصفيته بهدف وأد هذه القوة في مهدها، وإرسال رسالة للجميع بأن بناء تشكيلات عسكرية مستقلة خارج سيطرة الإخوان هو خط أحمر، وأيضًا محاولة اغتيال العميد حمدي شكري بعد تعيينه قائد للمنطقة العسكرية الرابعة التي تعد معقل تقليدي لنفوذ الإخوان.
فكان تعيينه يمثل ضربة موجعة للاحتكار الأمني والعسكري من تعز وحتى الجنوب، ومحاولة اغتياله كانت عملية تصحيح مسار لإجبار الشرعية على التراجع عن قرار تعيين قائد سلفي لمنطقة عسكرية حيوية، وإبقاء المنطقة تحت الوصاية الأمنية للإخوان.
ومحاولة اغتيال العميد عدنان رزيق تتكشف فيها الجريمة بوضوح. رزيق كقيادي سلفي قريب من الإخوان لم يستهدف لمجرد انتمائه، بل استهدف لأنه ارتكب الخطيئة الكبرى في نظر الإخوان، عبر بناءه تواصلات مباشرة وواضحة مع السعودية متجاوزًا بذلك الوساطة الإخوانية المفروضة على كل القيادات.
فالإخوان يستهدفوا أي قائد سلفي يثبت أقدامه إقليميًا ويحصل على دعم مباشر من التحالف، لأن هذا يلغي دور الإخوان كبوابات إجبارية للتعامل مع القوى السلفية، ويمنح الأخيرة استقلال في القرار والتمويل، وأخيرًا اغتيال القيادي أسامة اليافعي، الذي يمثل الجيل الجديد من القيادات السلفية في تشكيل درع الوطن.
تؤكد عمليه استهدافه في توقيت حساس أن سياسة التطهير لا تزال مستمرة وبأدوات جديدة. لذلك درع الوطن كقوة سلفية تشكل اليوم ثقل ميداني كبير يزعج ويهدد احتكار الإخوان للمشهد العسكري، واغتيال اليافعي قبل يومين هو استكمال لنفس المنهجية، ضرب الرأس لإرباك الجسد وإبقاء التشكيلات السلفية في حالة استنزاف دائم، تمنعها من التحول إلى مؤسسة عسكرية راسخة.





