رغم نقدي المتكرر والمستمر للواء طه العقيلي على صعيد الأداء والممارسة والحضور إلا أن من الإنصاف الاعتراف بأن نجاحه في إصلاح ملفات مرتبات منتسبي المؤسسة العسكرية خطوة تاريخية تحسب له.
هذا الإنجاز المحدود ومع حملة الهجوم المنظمة ضده تفتح الباب أمام قراءة دقيقة وعميقة لظاهرة أخطر تتعلق بطبيعة المؤسسة العسكرية والأمنية وكيف تحولت تحت هيمنة الإخوان - الإصلاح من مؤسسات أمنية وقتالية وطنية إلى أهم مؤسسات تحصيل وإيراد لتمويل نشاطات الحزب - الجماعة.
عرفنا مسؤولين كثر تولوا قيادة الجيش والأمن وجميعهم استمروا في عملهم ومناصبهم كأبطال من الوهم وأبرزهم اللواء المقدشي ليس لكفاءتهم أو نزيهيتهم ،بل لقربهم من الإخوان ولانخراطهم في منظومة الفساد التي يتصدرها التنظيم داخل هاتين المؤسستين.
الإخوان لا يشعرون بالخسارة الفعلية عندما تسقط محافظة أو مدينة بيد الحوثي، بل يشعرون بها فعلاً عندما يسد باب من أبواب الأتاوات ،وعندما تنقطع البزبوزات المالية التي كانت تتدفق عبرها قنوات المرتبات والنفقات التشغيلية والإكراميات، وهذه هي المعادلة الحقيقية التي تحكم سلوكهم باستمرار وليست المعادلات العسكرية أو الاستراتيجية.
أتذكر في الصباحات الأولى لسقوط محافظة الجوف بالكامل، تغديت مع العكيمي وقادة كثر في فندق أعتقد أنه (اللوفر) الذي يملكه الفريق محمد المقدشي، وجدت العكيمي يفترش تيس مكتمل من الرأس إلى الذيل وكأنه خرج منتصر من الجوف ولم يخسرها بالكامل أمام الحوثيين.
كان الرجل يراهن على أن سقوط الجوف سيفتح حنفية اللجنة الخاصة السعودية من جديد، وتضخ الأموال تحت ذريعة تحرير المحافظة، وما أن انقطعت تلك التدفقات بالكامل وانقطع أمل الحنفية السعودية ،حتى جن العكيمي وأدرك حجم المصيبة، وبدأ شتيمة الرياض وغادر تركيا، وهذه العقلية النموذجية تلخص كيف تحولت الجبهات الوطنية من ساحات شرف إلى بنوك مالية يدار فيها حساب الأرباح والخسائر للمنظومة.
الجيش بالنسبة للإخوان ليس مؤسسة وطنية تقاتل وتحمي البلاد والسيادة والنظام الجمهوري، بل أهم مؤسسة لتحصيل الضرائب والأتاوات والمرتبات والإكراميات، لدرجة أن هذه المؤسسة نقلت قيادات الحرب من مجرد قادة عسكريين إلى رجال أعمال بامتياز.
ويكفي كنموذج اللواء يحيى صلاح القيادي في المنطقة العسكرية الخامسة الذي يمتلك في مصر ما لم يمتلكه نجيب سويرس من عقارات استثمارية، صحيح سويرس أغنى من يحيى بمراحل، لكن يحيى يمتلك عقارات واستثمارات تفوق ما يملكه سويرس، وهذا مجرد قائد في منطقة معزولة بعيدة عن نظر الإعلام والرأي العام، ويحيى وأمين مجرد نماذج للقاعدة التي بنتها ورسختها المنطومة داخل المؤسسة العسكرية، وعندما يأتي مسؤول مثل اللواء طاهر العقيلي ليصلح ملف المرتبات فهو يحارب منظومة اقتصاد جهادي كاملة بنتها جماعة جعلت من الجيش والمؤسسات صرافاتها الآلية ومن الجبهات والقطاعات الحكومية مجرد مشاريع تجارية.





