لكن قراءة الوقائع، بعيداً عن الرغبات، تجعل التشاؤم أقرب إلى المنطق من التفاؤل.. فالمنطقة لا تتحرك من أزمة إلى أخرى، بل تعيش أزمات تتغذى من بعضها، حتى أصبح من الصعب الفصل بين أمن دائم وصراع ممتد!
عندما تستقر هذه الفكرة في عقل الدولة، يصبح التفاوض وسيلة لإدارة الصراع وتحسين الشروط، لا إعلاناً عن قرب نهاية الصراع نفسه، ولهذا تتبدل الأساليب بينما تبقى جذوة الصراع متقدة. وتجد هذه الرؤية في القضية الفلسطينية مساحة واسعة للحركة الملتبسة.. فالقضية ما زالت تحتل مكانها في وجدان العرب، ولذلك يسهل مخاطبة العاطفة من خلالها، وأن ما يحدث هو الدفاع عن فلسطين!
غير أن السؤال الذي يستحق أن يطرح بهدوء هو: ماذا حققت السياسات الإيرانية التي رفعت هذه الشعارات؟ وما نصيبها من التسبب بالمأساة الإنسانية في غزة؟ من حق الفلسطينيين أن يسألوا عن النتائج، لا عن الشعارات وحدها.
وفي مثل هذه الأنظمة لا يكون السباق نحو الاعتدال، بل نحو إثبات التشدد، لأن التشدد يمنح نفوذاً أكبر داخل النظام.. وليس بالضرورة داخل الجمهور العام.. ومن هنا يصعب تجاهل موقع الحرس الثوري، فهو ليس مؤسسة عسكرية فحسب، بل يمتلك تأثيراً سياسياً واقتصادياً وأمنياً واسعاً..
ومن يتابع خطابه يلاحظ أنه ينطلق من تصور يعتبر أن الضغط على دول الخليج هو الطريق الأقصر للتأثير في القرار الأمريكي.. وهذه ليست مجرد وسيلة تكتيكية، بل تبدو جزءاً من رؤية راسخة لكيفية إدارة الصراع في المنطقة.
لهذا تبدو فرص التسوية الدائمة ضعيفة في ظل الذهنية الحالية.. فالدبلوماسية لا تنجح بمجرد الجلوس إلى الطاولة، وإنما عندما يقتنع كل طرف بأن كلفة استمرار الصراع أعلى من كلفة التسوية..
وإذا غاب هذا الاقتناع، فإن الاتفاقات تتحول إلى فترات هدوء قصيرة أكثر منها حلولاً مستقرة.. أما خليجياً فليس المطلوب إغلاق باب الحوار، ولا التعويل على الوعود وحدها..
المطلوب بناء توازن يجمع بين الدبلوماسية والردع، وبين الانفتاح والحذر، مع تقوية الجبهة الداخلية والقدرة الدفاعية.. فالسلام لا يحميه حسن النيات وحده، وإنما تحميه أيضاً موازين قوة تجعل المغامرة خياراً مكلفاً..
وحتى يتغير ذلك، سيظل الشرق الأوسط معلقاً بين تسوية مؤجلة وحرب تبحث عن توقيتها. التجربة الحديثة في المنطقة تشير إلى أن تجاهل المؤشرات المبكرة كان دائماً أكثر كلفة من التعامل معها في وقتها، ولهذا فإن قراءة الأفكار التي تحرك السياسات لا تقل أهمية عن متابعة حركة الجيوش!





