الأربعاء، 12 أغسطس 2026 | الموافق ٢٧ صفر ١٤٤٨ هـ
الرأي

من "العدوان" إلى "الجوع": كيف تعيد الحوثية بناء سرديتها؟

الاستلاب المتراكب والذل الطوعي

في سنوات الحرب اليمنية الماضية، كانت الجماعة الحوثية تقدم خطاباً تعبوياً وسياسياً للداخل والخارج، يركز على المواجهة والتصدي والانتصار، وفيه الكثير من التهديد والوعيد.

كانت تقدم نفسها مدافعةً عن الأراضي اليمنية، وتنطلق من خطاب ذي نبرة علو. وشددت على توظيف مفردة "العدوان". ولم يكن هذا الاختيار عبثاً، بل توظيفاً مقصوداً لمفردة من مفردات القانون الدولي التي تُعنى بتوصيف الحروب بين الدول. الحرب في عيون الحوثية هي حرب بين اليمن والسعودية.

محت الجماعة الحوثية الحكومة اليمنية، أو المنضوين تحت عباءتها، من قاموسها سيما بعد مشاورات الكويت، وأبقت على خطاب تعبوي ضمن معادلة طرفاها الجماعة الحوثية، بوصفها تحتكر تمثيل اليمن واليمنيين من جهة، والسعودية من جهة أخرى.

كانت المعارك اليمنية، أو استهداف دول الجوار، أقل من أن تؤثر في السردية العامة التي قدّمتها الجماعة الحوثية، أو هكذا سرت الأمور في الصحافة الدولية والناشطية العالمية.

أفضت الهدنة في 2022 إلى تجميد المعارك، وإلى ندرة الاستهداف الحوثي خارج الحدود، بالتالي تعرضت السردية الحوثية إلى التجميد، ومن ثم إلى التآكل بفعل ديناميكية أخرى ولدتها الجماعة الحوثية نفسها.

إذ نقلت الجماعة في السنوات الأخيرة المعركة إلى أفق آخر، وأخرجت نفسها من إطار صراعها مع اليمنيين، أو حتى مع السعودية.

في البداية، بدا أن تدخل الجماعة الحوثية ما وراء الحدود اليمنية، واستهداف السفن في البحر الأحمر، وإطلاق صواريخ أو مسيرات - بلا أثر - نحو إسرائيل، قد جلب لها شعبية خارج المجال اليمني، بفعل التعاطف مع الكارثة التي يتعرض لها الغزاويون.

بل إنه جلب لها مكاسب سياسية غير متوقعة، منها اتفاق مع أمريكا، رغم أن إدارة ترامب كانت قد صنّفتها جماعة إرهابية. وداخلياً أعيد فتح المطار وتخففت قيود النقل البحري وربما حصلت على أموال وفيرة من الخارج. فضلاً عن جهودها في بناء منظومتها القتالية.

إلا أن هذه المكاسب كانت مؤقتة، وقوّضت السردية التي اشتغلت عليها الجماعة الحوثية لسنوات.

تزامن هذا التآكل في السردية مع استشراء فشل إدارة في مناطق سيطرتها وتحولها إلى منظومة امنية قمعية، وتردي الوضع الاقتصادي، وتعالي أصوات يمنية من مناطق سيطرة الجماعة الحوثية نفسها، تشكو من الجوع.

الجوع كلمة قاسية في آذان الشعوب. لا تعني طلب الطعام فقط، بل تعني الرفض.

لذا كان على الجماعة أن تفعل أمرين في آن واحد: إعادة ترميم السردية وتجبير كسورها؛ وحرف شكوى الجوع نحو الخارج.

في خطاب أخير لزعيم الجماعة، قال: «نحن لدينا مظلومية واضحة». رمت الجماعة بكل مشاكلها الاقتصادية نحو السعودية، وحمّلتها المسؤولية.

وفي منشور أخير لكبير مفاوضي الجماعة الحوثية، يتضح هذا التكتيك الجديد من خلال لين في القول، مع اظهار واضح للمظلومية، وتحميل الخارج مسؤولية الجوع وفقدان الموارد، بالتوازي مع المطالبة بحصة من الثروات النفطية اليمنية، والتوعد باستمرار تنفيذ العمليات العسكرية.

سياسيًا، وفي ظل تهدئة، لا مبرر للتحركات العسكرية الحوثية الاستهدافات المكثفة للقوات الحكومية، وتبدو عدواناً فجاً.

تدرك الجماعة أنها بلا غطاء سياسي لما تفعل.
فتعوض عن ذلك بتبني خطاب الجوع. وهي بهذا تسلب المواطن العادي حقه في الشكوى والرفض، وتحرف مسار هذه الشكوى.

ستحمّل الجماعة الحوثية، بمهارة، مطية الجوع كل رهاناتها السياسية: فتح المطار، ورغبتها في إدخال إيران جواً إلى صنعاء، والحصول على حصة من العائدات النفطية التي سبق أن دمرت المنشآت وأوقفت التصدير لسنوات، وضرب خصومها واستهداف تجهيزاتهم.

لكنها تروم شيئًا آخر: إحياء خارطة الطريق، وتثبيت معادلة أمنية وجيوسياسية جديدة من خلال الضغط على السعودية، وخنق صادراتها، من أجل إزاحة الحكومة اليمنية من المعادلة السياسية.