مطلع الألفية، أسس الراحل حميد شحرة صحيفة "الناس" كصحيفة مستقلة وخلال فترة قصيرة فرضت الصحيفة نفسها في الساحة، وأصبحت من أشهر الصحف وأكثرها مبيعاً، حتى وصل توزيعها إلى الأرياف وهذا منحها تأثيراً حقيقياً لا يمكن تجاهله.
هذا الحضور لفت انتباه الرئيس علي عبدالله صالح، فتواصل مع شحرة وطلب لقاءه. لاحظوا هذه الجزئية: الرئيس هو من طلب لقاء رئيس تحرير صحيفة مستقلة.
التقيا، وتحدثا عن الصحيفة وما تنشره وعن خطها التحريري، كان صالح يتابع الصحافة ويهتم بما يُكتب عنه، بما في ذلك ما تنشره الصحف المعارضة والمستقلة.
وخلال اللقاء، عرض على شحرة تغيير جزء من خط الصحيفة مقابل توفير مطبعة لها وكان امتلاك مطبعة في ذلك الزمن أمراً كبيراً، بل حلماً بالنسبة إلى مؤسسة صحفية؛ حتى إن حزب الإصلاح، وهو ثاني أكبر حزب بعد المؤتمر آنذاك، لم يكن يمتلك مطبعة، وكانت صحيفته تُطبع لدى مطابع خاصة.
رفض شحرة العرض، ومع ذلك لم تتحوّل العلاقة إلى خصومة، وبقيت بين الرجلين مساحة من الاحترام.
لماذا استحضر هذه القصة؟
ليس دفاعاً عن صالح، ولا تبرئة لتجربته، فقد كان لديه إعلام مطبّل وحتى كتّاب من الداخل والخارج يدافعون عنه، لكن لا مقارنة بينه وبين العليمي، إذ لا وجه للمقارنة أصلاً.
صالح كان رئيساً منتخباً، وله، بصرف النظر عن موقفنا السياسي منه، إنجازات وطنية وحضور سياسي وكاريزما وتجربة طويلة في إدارة الدولة.
أما العليمي، فهو رئيس غير منتخب، ولم يأتِ إلى موقعه بتفويض شعبي، وإنما جاء ضمن ترتيبات إقليمية شاركت فيها السعودية والإمارات، كما جاء مجلس القيادة نفسه وليس لدى العليمي ما يفتخر به من إنجاز سوى التفاخر أمام مقربيه بأنه يعمل على تمكين النسويات وتوسيع حضورهن داخل مكتب الرئاسة.
لذلك، أنا لا استحضر قصة "الناس" لأقول إن صالح كان أفضل وخالياً من أي قمع للحريات، بل لأقول انظروا كيف كان يتعامل مع الإعلام المعارض والمستقل.
منذ وصول العليمي إلى الرئاسة، جرى إنشاء ما يشبه مطبخاً إعلامياً خاصاً، واستيعاب عشرات الأشخاص، يتحدث البعض عن أكثر من سبعين شخصاً، موزعين بين أوروبا وعدد من الدول العربية، ويتقاضون رواتب بالدولار من المال العام، إلى جانب تمويل عشرات المنصات مقابل الترويج له والدفاع عنه.
بل إن سكرتيره الصحفي، الذي جاء إلى موقعه في سياق المصاهرة السياسية، أنشأ قناة على واتساب تحوّلت عملياً إلى منصة موازية للإعلام الرسمي، يديرها شخصان، أحدهما في تركيا، بينما جرى تهميش الإعلام الرسمي نفسه.
المشكلة ليست أن يكون للرئيس، أي رئيس، مؤيدون أو صحفيون يدافعون عن سياساته، فهذا أمر طبيعي في أي نظام سياسي، المشكلة حين يتحوّل المال العام إلى وسيلة لشراء الولاء الإعلامي، وحين يصبح النقد المهني لسياسات "الرئيس" شيئاً مزعجاً، بينما يصبح التطبيل وظيفة مدفوعة الأجر.
الدولة تحتاج إلى صحفي يسأله: ماذا أنجزت؟ أين ذهبت الأموال؟ لماذا فشلت هذه السياسة؟ ومن يتحمّل المسؤولية؟





