الخميس، 13 أغسطس 2026 | الموافق ٢٨ صفر ١٤٤٨ هـ
الرأي

لويس العليمي.. حين يقود الضعف إلى المقصلة

الهاشمية السياسية و الحراك التهامي ورقة عسكرية وذريعة التفكيك

في عام 2020 قرأت مسيرة لويس السادس عشر بوصفها حكاية ملك فرنسي انتهى تحت المقصلة وواحدة من أكثر التجارب السياسية قسوة في دروسها عن تآكل هيبة القيادة، وما بقي في ذهني من تلك القراءة لم يكن فقط مشهد المقصلة بل ما سبقها بسنوات من قواعد ومفارقات.

فكيف يمكن لرجل أن يجلس على رأس دولة عظمى ويمتلك شرعية تاريخية هائلة أن يفقد شيئًا أهم من السلطة نفسها، أن يفقد في نظر الناس صورة الرجل القادر على استخدامها.؟

تذكرت التجربة وهي تبدو تجربة جديرة بالتأمل في الحالة اليمنية في عهد الدكتور رشاد، ليس لأن العليمي يشبه ملك فرنسا ولا لأن اليمن يشبه فرنسا عشية الثورة، فهذه مقارنة سطحية لا قيمة لها، وإنما لأن التاريخ يعيد أحيانا إنتاج المأزق نفسه لكن بصور مختلفة، خصوصًا حين يصبح رأس السلطة في وعي الناس هو عنوان العجز أكثر من كونه عنوانًا للقرار.

قد يكون العليمي محاصر بقيود حقيقية وقد لا يكون قادر على تنفيذ كل ما يريد، لكن السياسة لا تمنح القائد دائمًا رفاهية تفسير القيود، وأحيانا يكون عليه أن يصنع وسط القيود نفسها دليلا وطني على الإرادة.

كان لويس يعاني من عيب قاتل في زمن جدًا مضطرب، كان شديد التردد وضعيف القدرة على تحويل الإدراك إلى قرار والقرار إلى فعل ملموس، وقد وصفه المؤرخ جون هاردمان بأنه كان يرى الأخطار أمامه في كثير من الأحيان، لكنه لم يكن قادر أو لم يكن راغب في منعها.

وهذا هو الفارق بين رجل يرى الأزمة ورجل يقودها. كانت مأساة لويس أن الأحداث أصبحت أسرع من إرادته، وكل لحظة تاريخية كانت تطلب منه موقف حاسم كان يتقدم ثم يتراجع ويختار اتجاه ثم يعيد حساباته ويستمع إلى مستشار ثم إلى خصومه ثم إلى مستشار آخر، ومع الوقت المشكلة لم تعد في القرار ذاته بل في الصورة التي تكونت حول صاحب القرار.

فالناس لم يعد ينتظرون منه أن يقود العاصفة ،بل ينتظرون كيف ستدفعه العاصفة من جهة إلى أخرى، وحين يصل القائد إلى هذه النقطة يبدأ التآكل الحقيقي، فالسلطة لا تفقد هيبتها فقط عندما تهزم في الميدان ،بل تفقدها أيضًا عندما يشعر الناس أن صاحبها لا يعرف ماذا يريد أو يعرف ،لكنه لا يستطيع فعله أو يستطيع فعله لكنه لا يجرؤ عليه.

ولهذا كانت رحلة لويس إلى فارين لحظة شديدة القسوة في تاريخ صورته السياسية. لم تكن مجرد محاولة فرار فاشلة يل كانت في الوعي العام لحظة انكشاف، فالملك الذي يفترض أن يكون مركز النظام بدا كأنه لم يعد يثق في النظام الذي يقوده، ومنذ تلك اللحظة تسارع الانتقال من الشك في سياساته إلى الشك في أهليته السياسية نفسها، ومن هنا تحديدًا يمكن فهم العليمي بصورة أكثر قسوة وأكثر إنصاف في الوقت نفسه.

العليمي لم يصل إلى رئاسة مجلس القيادة في دولة مستقرة، ولم يرث سلطة مركزية مكتملة. هو يقود بنية انتقالية متعددة القوى تتقاطع داخلها المصالح والولاءات والحسابات الإقليمية .

فيما تظل صنعاء خارج سيطرة الدولة ومؤسساتها موزعة والقرار السياسي والعسكري موزع بين مراكز نفوذ مختلفة، وهذه حقيقة لا يجوز تجاهلها حين نقيم أداء الرجل، لكن المشكلة أن التاريخ السياسي لا يحاكم القائد دائمًا بما يملكه نظريًا من صلاحيات وإنما بما يبدو للناس أنه قادر على فعله، وهنا يبدأ السؤال الأخطر، إذا كان الرجل على رأس السلطة فمن يقود إذن؟

لا يسقط بعض الحكام عندما يخسرون السلطة، يسقطون قبل ذلك عندما تتآكل في أذهان الناس الفكرة التي تقول إنهم قادرون على استخدامها، ولهذا فإن الدرس الذي خرجت به من قراءة مسيرة لويس السادس عشر لم يكن أن الملك كان سيئا أو خائنًا أو غبيًا

إذا ظل الحوثي مسيطر على صنعاء ومشروع استعادة الدولة معلق والأزمات الاقتصادية والخدمية والسياسية في اتساع، وبقيت مراكز القوة داخل معسكر الشرعية متنافسة، فلن يظل الجمهور منشغل طويلا بالتفاصيل الدستورية لصلاحيات مجلس القيادة.

وسيبحث عن مركز للفعل، وإذا لم يجده فإن تعدد مراكز القرار الذي يمكن تفسيره مؤسسيًا سيتحول في الوعي الشعبي إلى عجز سياسي، وهذه هي النقطة التي ينبغي أن يقلق منها رشاد العليمي أكثر من انخفاض شعبيته السياسية والإجتماعية، فالسياسي يستطيع أن يعيش مع انخفاض الشعبية لكنه لا يستطيع بسهولة أن يعيش إذا أصبحت صورته السياسية مرادفة للتردد.

الناس قد تغفر للقائد هزيمة إذا رأته يقاتل وقد تتحمل قرار خاطئ إذا رأت وراءه إرادة واضحة، وقد تصبر على نتائج بطيئة إذا شعرت أن الدولة تتحرك في اتجاه معلوم، لكنها تصبح أكثر قسوة عندما لا ترى معركة ولا قرار ولا اتجاه، وهنا لا يعود السؤال لماذا لم ينتصر بل لماذا لم يفعل شيئ؟ وهذا السؤال أخطر بكثير، لأن الفشل يمكن تفسيره بالظروف أما العجز فيتحول تدريجيًا إلى صفة شخصية في القائد.

قد يكون الحوثي سبب رئيسي في مأساة اليمنية وقد تكون الانقسامات داخل مجلس القيادة عائق حقيقي، وقد يكون الدعم الإقليمي والدولي محدد لمساحة الحركة، وقد تكون الموارد والإمكانات أضعف كثيرًا من المطلوب.

كل ذلك صحيح ويمكن الدفاع عنه سياسيًا، لكن القائد الذي يظل يشرح أسباب عجزه فترة طويلة من دون أن ينجح في إنتاج صورة مقابلة عن قدرته على تغيير المعادلة يخاطر بأن يتحول تفسير الأزمة إلى جزء من الأزمة نفسها.

وهنا تحديدًا تصبح البيانات أقل أهمية من الفعل، فالرئاسة لا تقاس بعدد القرارات التي تصدر، وإنما بعدد القرارات التي يشعر الناس أنها غيرت شيئ في حياتهم أو في ميزان القوة، وهذا هو ما يجعل المقارنة مع لويس السادس عشت عميقة ومتقاربة، فالمشكلة لم تكن أن الرجل لم يكن يرى شيئا بل كانت مشكلته أنه لم يستطع أن يجعل رؤيته قوة سياسية، وهذه قد تكون إحدى أخطر نقاط الضعف التي يمكن أن تصيب أي قيادة في بلد يعيش حرب مفتوحة.

أن يعرف القائد ما يجب فعله ثم لا يفعله، وأن يدرك الخطر ثم ينتظر، وأن يعرف أن التوازنات تغيرت ثم يتصرف كأن الزمن ثابت، وأن يدرك أن خصومه يملأون الفراغ ثم يظل يتعامل مع الفراغ باعتباره مجرد ظرف مؤقت.

قد يكون الحوثي سبب رئيسي في مأساة اليمنية وقد تكون الانقسامات داخل مجلس القيادة عائق حقيقي، وقد يكون الدعم الإقليمي والدولي محدد لمساحة الحركة، وقد تكون الموارد والإمكانات أضعف كثيرًا من المطلوب.

عند كل هذا يبدأ الزمن نفسه بالعمل ضد القائد، ومع مرور الوقت، لا يعود الناس يحاكمون كل واقعة منفردة، الوقائع تتجمع في صورة واحدة، فهذا الرجل لا يحسم، وهذا الرجل لا يقود، وهذا الرجل ينتظر، وهذا أخطر تحول يمكن أن يصيب الرصيد السياسي لأن الصورة الذهنية عندما تستقر تصبح أقوى من الوقائع التي صنعتها، وهنا يصبح الفرق بين القائد الضعيف والقائد الذي يبدو ضعيفًا أكثر أهمية من الحقيقة نفسها.

قد يكون العليمي محاصر بقيود حقيقية وقد لا يكون قادر على تنفيذ كل ما يريد، لكن السياسة لا تمنح القائد دائمًا رفاهية تفسير القيود، وأحيانا يكون عليه أن يصنع وسط القيود نفسها دليلا وطني على الإرادة.

وهذا ما كانت تفتقده صورة لويس في سنواته الأخيرة، ليس الذكاء بالضرورة ولا حسن النية ولا حتى إدراك الخطر بل كان يفتقد القدرة على تحويل كل ذلك إلى قيادة، ولذلك فإن أخطر ما يمكن أن يحدث للرئيس العليمي ليس أن يختلف الناس معه، ولا أن ينتقدوا أداءه ولا حتى أن يتراجع رصيده الشعبي.

الناس لم يعد ينتظرون منه أن يقود العاصفة ،بل ينتظرون كيف ستدفعه العاصفة من جهة إلى أخرى، وحين يصل القائد إلى هذه النقطة يبدأ التآكل الحقيقي،

الأخطر بشكل وأضح وجريء أن يصل اليمنيين إلى مرحلة لا ينتظرون منه شيئا، عندها لا يعود الرئيس خصم سياسي بل مجرد جزء من المشهد، وهذا هو التآكل الحقيقي للشرعية السياسية، أن يبقى المنصب قائم بينما تنسحب منه الهيبة وأن يبقى الرئيس في موقعه بينما تتقدم الأحداث من دونه.

وكقاعدة تاريخية، لا يسقط بعض الحكام عندما يخسرون السلطة، يسقطون قبل ذلك عندما تتآكل في أذهان الناس الفكرة التي تقول إنهم قادرون على استخدامها، ولهذا فإن الدرس الذي خرجت به من قراءة مسيرة لويس السادس عشر لم يكن أن الملك كان سيئا أو خائنًا أو غبيًا، وقد لا يكون أسوأ من كثيرين ممن حكموا فرنسا، لكنه جاء إلى لحظة تاريخية كانت تحتاج قائد أكبر من شخصيته السياسية.

وهذه هي المعضلة التي تستحق أن يخشاها أي رشاد العليمي، فقد لا يكون التاريخ قاسي عليه لأنه كان الأسوأ بل لأنه كان أضعف من اللحظة التي تولى قيادتها، وكنتيجة طبيعية عندما تصبح الفجوة بين حجم المنصب وحجم الفعل أكبر من قدرة السلطة على تغطيتها يبدأ الرصيد السياسي في الاحتراق ببطء، ثم تأتي لحظة لا يعود فيها الناس يسألون، ماذا فعل الرئيس بل ماذا كان سيفعل لو كان قائد فعلاً؟