كتبت قبل ثلاث سنوات من الآن عن الحرب في اليمن، وعن الوهم الذي حاول كثيرون تسويقه لنا بأن السعودية جاءت إلى اليمن من أجل اليمنيين، وأن تدخلها العسكري هدفه استعادة الدولة وإنهاء الانقلاب وإعادة الشرعية..
كتبت يومها أن المشهد لم يكن بهذه البساطة، وأن علينا أن ننظر إلى نتائج الحرب لا إلى الشعارات التي رافقتها. واليوم، وبعد ثلاث سنوات أخرى، أجد نفسي أعود إلى ما كتبته آنذاك، لا لأن شيئا تغير، بل لأنني أجد أن السؤال نفسه ما زال قائما، وربما أصبح أكثر الحاحا: ماذا تغير فعلا.؟
قبل سنوات، كان اليمنيون يعيشون على وقع أزيز الطائرات والقنابل والصواريخ والمضادات. كنت، مثل ملايين اليمنيين، أتذكر مشاهد الرعب التي اجتاحت صنعاء والمدن اليمنية، وأتذكر كيف انقسم الأصدقاء بين من كان يرى في التدخل السعودي خلاصا من الحوثيين، ومن كان يرى في الحوثيين قوة تقاوم السعودية. وخسر كثيرون صداقات وعلاقات بسبب نقاشات كانت تجري تحت أصوات الحرب..
المشكلة أن اليمنيين ظلوا يُدفعون إلى الاختيار بين روايتين: رواية تقول إن السعودية جاءت لإنقاذ اليمن، ورواية تقول إن الحوثيين يخوضون حربا من أجل استقلال القرار اليمني.
كان الاعتقاد السائد لدى البعض أن الحرب لن تطول، وأن التحالف سيحسم المعركة سريعا، وأن الحوثيين سيهزمون وتعود الدولة. لكن السنوات مضت، ولم تعد الدولة، ولم تنتهِ الحرب، ولم يختف الحوثيون. بل خرجوا من الحرب أكثر قوة ونفوذا، بينما دفع اليمنيون الثمن الأكبر..
في البداية، كان سقوط المدنيين يقدم باعتباره أخطاء عرضية. غارة أخطأت هدفها، أو معلومات استخباراتية غير دقيقة، أو خطأ في التقدير. لكن مع تراكم السنوات والضحايا والدمار، أصبح من الصعب اختزال المأساة كلها في سلسلة من "الأخطاء"!.
والمفارقة أن الحرب التي قيل إنها جاءت لإنقاذ اليمنيين من الانقلاب انتهت إلى إضعاف الدولة أكثر، وإلى تعميق الانقسام، وتدمير قطاعات واسعة من البنية التحتية، وخلق واقع سياسي وعسكري أكثر تعقيدا مما كان عليه قبلها..
أما السؤال الذي كان يجب أن يطرح منذ البداية فهو: إذا كانت الحرب من أجل اليمن، فلماذا كان اليمن هو الخاسر الأكبر فيها.؟
كان الاعتقاد السائد لدى البعض، أن الحرب لن تطول، وأن التحالف سيحسم المعركة سريعا، وأن الحوثيين سيهزمون وتعود الدولة. لكن السنوات مضت، ولم تعد الدولة، ولم تنتهِ الحرب،
بعد تسع سنوات، ثم ثلاث سنوات إضافية على ما كتبته، لا أجد إجابة مقنعة لدى من لا يزالون يكررون أن السعودية والإمارات جاءتا إلى اليمن لمصلحة اليمنيين.
لا أقول إن الحوثيين كانوا مشروعا لإنقاذ اليمن، ولا أبرئهم من مسؤولية ما ارتكبوه، ولا أتجاهل انتهاكاتهم أو انقلابهم على مؤسسات الدولة. لكن رفض الحوثيين لا يعني بالضرورة تبرير كل ما فعلته الأطراف الأخرى، كما أن مقاومة التدخل السعودي لا تعني تحويل الحوثيين إلى أبطال أو ممثلين حصريين لليمن..
المشكلة أن اليمنيين ظلوا يُدفعون إلى الاختيار بين روايتين: رواية تقول إن السعودية جاءت لإنقاذ اليمن، ورواية تقول إن الحوثيين يخوضون حربا من أجل استقلال القرار اليمني.
وبين الروايتين ضاع اليمني العادي، الذي لا يريد أكثر من دولة تحميه، وبيت آمن، وطريق مفتوح، وراتب يصل في موعده، ومدرسة ومستشفى، ومستقبل لا تحدده الصواريخ والطائرات..
اليوم، بعد كل هذه السنوات، ما زالت طبول الحرب تدق بأشكال مختلفة، وما زالت الدماء تراق، وما زالت لغة التصعيد حاضرة، بينما يرفع شعار السلام في الخطابات والمبادرات دون أن يتحول إلى مشروع حقيقي يعالج جذور الصراع ويضع مصلحة اليمنيين فوق حسابات القوى الإقليمية..
أثبتت السنوات أن القوة العسكرية وحدها لم تستطع أن تصنع دولة، وأن القصف لم يُعد الشرعية، وأن الانقلاب لم يتحول إلى دولة مستقرة، وأن كل طرف يستطيع أن يجد عشرات المبررات لتبرير أفعاله،
وهنا أعود إلى ما كتبته قبل ثلاث سنوات: المشكلة ليست فقط في من بدأ الحرب، بل في استمرار التعامل مع اليمن كساحة صراع، لا كبلد له شعب ومصالح ومستقبل..
لقد أثبتت السنوات أن القوة العسكرية وحدها لم تستطع أن تصنع دولة، وأن القصف لم يُعد الشرعية، وأن الانقلاب لم يتحول إلى دولة مستقرة، وأن كل طرف يستطيع أن يجد عشرات المبررات لتبرير أفعاله، لكن لا أحد يستطيع أن يبرر لليمني البسيط لماذا كان عليه أن يدفع كل هذا الثمن..
بعد كل ما حدث، لا أعتقد أن المطلوب من اليمنيين أن يختاروا بين السعودية والحوثيين، ولا بين أبوظبي والرياض، ولا بين هذا المحور أو ذاك. المطلوب أن يختاروا اليمن..
يجب أن نتوقف عن تبرير الحرب لأن الطرف الذي نكرهه يخوضها، وعن تبرير الانتهاكات لأن مرتكبها حليف لنا. لا يمكن بناء وطن بمنطق أن جرائم الخصم جرائم، وجرائم الحليف أخطاء..
كتبت قبل ثلاث سنوات، واليوم أجد نفسي أكتب الشيء نفسه تقريبا: لم يتغير جوهر المأساة.
تغيرت الوجوه، وتغيرت التحالفات، وتعددت المبادرات والحوارات، لكن اليمن ما زال يدفع الثمن، وما زالت الحرب حاضرة، وما زال السلام يطرح كعنوان أكثر منه مشروعا متكاملا..
بعد كل هذه السنوات، ربما آن الأوان أن نسأل السؤال الذي تهربنا منه طويلًا: متى يصبح اليمن هو الغاية، وليس مجرد ذريعة في حروب الآخرين.؟





