هل قرأ أحدكم، أو سمع يومًا، كلامًا نابيًا صدر عن القائد طارق، أو عن نجل الرئيس الأسبق أحمد، في حق من اختلفوا معهم، مثل نائب الرئيس الأسبق الفريق علي محسن، أو غيرهم ممن أيدوا ثورة التغيير ووقفوا معها؟
هل سمع أحدكم أو قرأ كلامًا جارحًا خادشًا للحياء بين فرقاء المؤتمر الشعبي العام في صنعاء أو عدن أو الرياض أو المخا؟
هؤلاء أناسٌ عركتهم التجربة وصقلتهم الحياة، يبقون على شعرة معاوية لا يقطعونها؛ فهم يدركون أن الخصومة السياسية إذا امتدت إلى الكرامة فقد خسرت معناها، ويحفظون شيئًا من الود والتقدير لبعضهم بعضًا.
فمهما بلغت درجة الخصومة بينهم، فإنهم يحصرون خلافاتهم في المسائل السياسية؛ فلا مجال هنا للفجور في العداء أو الإساءة للكرامة، في كل الأحوال والظروف.
فالعلاقات الشخصية خطٌّ أحمرُ لا يجوز تجاوزه؛ لأن التعدي على هذه الصلات، ببساطة، فعلٌ وقحٌ فظٌّ شاذ، وغير مستساغ أو مقبول في مجتمع محافظ تقليدي. السياسي الناضج لا يحوّل الخلاف إلى ثأر، ولا يجعل الكلمة سلاحًا يطعن به كرامة خصمه ، فهناك الكثير من القيم الأصيلة التي يصعب انتهاكها لمجرد الخلافات السياسية أو الحزبية.
للأسف الشديد، يفتقر الجنوبيون إلى هذا الود والتقدير لبعضهم بعضًا؛ فما إن يختلف أحدهم مع الآخر، أو يعلن موقفًا سياسيًا مغايرًا لموقف رفاقه، حتى تنهال عليه الإساءات من كل حدب وصوب .
وأكثر من ذلك، سيجد ذاته عُرضةً لشتى أصناف البذاءة والتشهير، وغالبًا ما يصل هذا الفجور إلى حد الطعن الشخصي والعائلي . إننا نختزل خلافاتنا في جرح الكرامة بدلًا من نقاش الفكرة، فنتقاتل على الشخص قبل أن نتحاور حول الموقف.
شخصيًا، أحمل تقديرًا لعدد من قادة المجلس الانتقالي الجنوبي، ولا مندوحة لديّ إذا ما قلت إن علاقاتي الشخصية باللواء عيدروس الزبيدي، والعميد عبد الله مهدي، وقاسم صالح، واللواء أحمد سعيد بن بريك، وناصر الخبجي، وفضل الجعدي، ووضاح الحالمي، وغيرهم، لن تكون أبدًا محل شك أو إساءة أو فجور.
فهؤلاء، وسواهم من رفاق الأمس، بيني وبينهم اختلافات جوهرية؛ لكن لا يعني بُغُضهم أو الإساءة الشخصية لهم ، فهم يرون أن لا حل ولا معالجة للقضية الجنوبية بغير استعادة الدولة الجنوبية، وبينهم من يعتقد بإنهاء حالة الوحدة بشكل قطعي لا يقبل النقاش؛ وبالمقابل فينا من يرى أن دولة اتحادية فيدرالية يمكنها حل ومعالجة القضايا السياسية والتاريخية العالقة من أزمنة ماضية مختلفة.
وأيّا كانت مبرراتهم ومبرراتنا، ففي المحصلة النهائية إنما هي رؤى سياسية وليست نصوصًا مقدسة؛ فالمسألة برمتها ليست يقينية، على اعتبار أن الزمن القادم هو وحده لا سواه من يثبت ويبرهن أي الرؤى أصحّ، خصوصًا أن واقعنا الذي نعيشه ونعاني من تبعاته لم يكن إلا نتيجة لذلك الشطط والنزق الذي ساد خلال حقبة تاريخية.
خلاصة القول .. الإساءة والشتيمة لا تصدر عن ساسة أذكياء بارعين أو دعاة حقٍّ؛ بقدر ما هي لسان السفهاء والجهلة ودعاة الباطل . فلنتعلم كيف نختلف، وكيف نصون الصلة الإنسانية بمنأى عن الاختلاف في الشأن السياسي أو الوطني ، فالوطن يتسع للجميع، لكنه يضيق ويتلاشى بمقدار ما تسود الكراهية بين أبنائه .





