الأربعاء، 26 أغسطس 2026 | الموافق ١٢ ربيع الأول ١٤٤٨ هـ
الرأي

قراءة نقديه في كتاب" الله بين الامام الخميني والشيخ محمد عبدالوهاب) لعصام العماد

الحوثيون واستدعاء الحرب: من جلب القصف إلى التنكر له"

اولاً موقف النقد وحدوده، إن النقد العلمي ليس مقصراً على من يوافق المنتقد ،ولا هو حكر على من يخالفه ،بل هو واجب معرفي يقع على عاتق كل من يقرأ نصاً يدعي الانتماء إلى الفضاء العلمي .

ثم يجد في بنيته انزلاقات منهجية تنذر بخلط بين الأدوات التحليلية والغايات الأيديولوجية ،وما أنا كاتب هذه السطور إلا قارئ منصف طالع هذا الكتاب بناء على دعوه من مؤلفه طالعة نقدية، لا أريد له سقوطاً بل أريد له صعوداً إلى درجة من المنهجية لا يزال دونها.

ولن أنتقد شخص المؤلف عصام العماد ولا سيرته الذاتية، فالسيرة مهما بلغت من التأثر ليست حجة منهجية ولا دليلاً معرفياً بل أنتقد النص، بما هو نص يطرح نفسه على بساط العلم ويدعي صراحة أو تلميحاً أنه يجري مقارنة علمية دقيقة ،بين مدرستين فكريتين عظيمتين في مسألة هي أصل الأصول وهي التوحيد ومعرفة الله

ثانياً البنية الموضوعية المرتبكة

قبل أن ندخل في صلب المضمون ينبغي أن نوقف القارئ عند ملاحظة بنيوية لا يمكن تخطيها، إذ إن هذا الكتاب بحسب ما تفصح عنه مقدمته وتعريفاته قد تنقل بين ثلاثة عناوين هي في الحقيقة ثلاثة محاور موضوعية منفصلة تماماً.

فالعنوان الأول كان التوحيد في القرن العشرين وهو عنوان كلامي عقدي ،والعنوان الثاني كان التشيع في القرن العشرين وهو عنوان تاريخي مذهبي ،والعنوان الثالث هو الله بين الإمام الخميني والشيخ محمد بن عبد الوهاب، وهو عنوان مقارن بين شخصيتين تاريخيتين وهذا التنقل ليس مجرد تغيير في الصياغة التسويقية ،بل هو دليل على غياب البنية الموضوعية الثابتة للعمل دفالكتاب على ما يبدو لم يولد من رحم سؤال بحثي واضح المعالم،  بل من رحم رحلة فكرية شخصية والرحلة الشخصية حتى وإن كانت صادقة لا تشكل إطاراً منهجياً لبحث علمي يعتد به

ثالثاً الثنائية القطبية علم أم أيديولوجيا

إن من أخطر ما يواجه الباحث في مقاربات الفكر الديني هو انزلاق المنهج إلى الأيديولوجيا دون أن يحس بذلك ،وها نحن في هذه المقدمة وقبل حتى أن نطلع على فصول الكتاب نجد أنفسنا أمام ثنائية قطبية محكمة، هي توحيد المستضعفين من منظور الإمام الخميني مقابل توحيد المستكبرين من منظور الشيخ محمد بن عبد الوهاب.

وهنا يتوقف الناقد ويسأل هل هذه المصطلحات أدوات تحليلية علمية أم هي أحكام قيمية مسبقة ،إن تسمية أحد المنهجين بتوحيد المستكبرين قبل أن يعرض النص ويحلل سياقه التاريخي والفكري هو حكم قيمي، يبطل ادعاء الموضوعية والحياد من أساسه ،والعلم فيما هو علم لا يبدأ بالأحكام بل يبدأ بالوصف والتحليل والتفكيك ، ثم يقدم الأحكام في نهاية المسار لا في بدايته

رابعاً خلط المستويات التحليلية

إن من أبرز العوار المنهجية في هذا العمل هو خلطه المستويات التحليلية دون إطار نظري يبرر الانتقال بينها، فالكتاب بحسب مقدمته يتنقل بسلاسة مريبة بين المستوى العقدي الكلامي في مسألة التوحيد ومعرفة الله ،والمستوى المذهبي التاريخي في السنة والشيعة ،والمستوى السياسي الاجتماعي في المستضعفين والمستكبرين والأنظمة الظالمة.

والحقيقة أن هذه المستويات الثلاث وإن تداخلت في الواقع التاريخي منفصلة منهجياً، فالتوحيد مسألة عقدية تتعلق بذات الله وصفاته وأفعاله وحق العبادة له وحده ،أما إنقاذ المظلومين ومواجهة الأنظمة الظالمة فهي قضايا سياسية اجتماعية تدخل في باب السياسة الشرعية والفقه التطبيقي.

وتحويل التوحيد إلى سبيل لإنقاذ المظلومين هو تسييس للعقيدة لا تحليل علمي لها، إذ إن الباحث العلمي إذا أراد أن يدرس علاقة العقيدة بالسياسة يحتاج إلى إطار نظري واضح، مثل نظرية الخطاب الديني أو علم الاجتماع الديني أو الظاهراتية الدينية ،يبرر له هذا الانتقال أما الانتقال بلا إطار فهو قفز غير معرفي يفقد العمل دقته المنهجية

خامساً المقارنة التاريخية غير المتزامنة

إن من أغرب ما في هذا المشروع المقارن أنه يضع في موازاة واحدة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، الذي عاش في الفترة من سبعمائة وثلاثة إلى سبعمائة واثنين وتسعين للميلاد وهو من القرن الثامن عشر ،والإمام الخميني الذي عاش في الفترة من ألف وتسعمائة واثنين إلى ألف وتسعمائة وتسعة وثمانين للميلاد وهو من القرن العشرين، ثم يسمي هذا العنوان التوحيد في القرن العشرين .

وهنا يسأل الناقد المؤلف كيف تقارن مدرسة القرن الثامن عشر بمدرسة القرن العشرين تحت عنوان القرن العشرين، أهذا إغفال تاريخي أم هو تزييف منهجي يهدف إلى جعل المقارنة تبدو معاصرة، في حين أن أحد طرفيها يسبق الآخر بأكثر من مئتي عام، إن المقارنة العلمية تتطلب في أدنى درجاتها تزامناً تاريخياً أو تكافؤاً سياقياً ،أما مقارنة مؤسس حركة دينية في شبه الجزيرة العربية في القرن الثامن عشر بقائد ثورة إسلامية في إيران في القرن العشرين، فهي مقارنة غير متزامنة تنتج نتائج مشوهة منذ لحظة انطلاقها

سادساً غياب الإطار النظري والمنهجي

لقد تكرر في مقدمة هذا الكتاب وبكثرة مصطلح النظرة العلمية الدقيقة والمنهج العلمي والنقد المنطقي، غير أن هذه المقدمة وهي المرآة التي يجب أن تعكس منهجية العمل تفتقر تماماً إلى تحديد المنهج المقارن المستخدم .

فهل هو المقارنة التاريخية أم تحليل الخطاب أم الظاهراتية الدينية ؟

كما تفتقر إلى الإشارة إلى المصادر الأولية والثانوية التي يعتمد عليها الكتاب ،وإلى تحديد مجتمع البحث وحدوده الزمنية والمكانية، وإلى كشف الافتراضات المسبقة التي ينطلق منها المؤلف العماد، وإلى صياغة الأسئلة البحثية التي يحاول الكتاب الإجابة عنها ،وهذا الغياب يجعل ادعاء الدقة العلمية ادعاءً جوفاء لا يستند إلى بنية منهجية حقيقية

سابعاً السرد الذاتي بديلاً عن الدليل المعرفي

إن من أبرز ما تتوسل به مقدمة هذا الكتاب لإقناع القارئ بمصداقية المؤلف هو السرد الذاتي ،فتقول إنه تلقى تعليمه في الرياض وعاش في بيئة وهابية وهاجر إلى قم ،وكانت نقطة تحول فكرية.

ومن المعلوم في المنهجية العلمية أن التجربة الشخصية وإن كانت صادقة لا تشكل ضمانة معرفية لصحة الأطروحات، فالكتب العلمية تقاس بمنهجيتها ومصادرها وحججها المنطقية، لا بسيرة مؤلفها وهذا الاستناد إلى السرد الذاتي يذكرنا بما يعرف في النقد المعرفي بمغالطة التجربة الشخصية

ثامناً التناقض الأدائي

إن من أعمق ما يصيب هذا النص هو التناقض الأدائي، بين ما يدعيه وما يمارسه، فهو يدعي النظرة العلمية الدقيقة ثم يقدم ثنائية قطبية؛  هي مستضعف ومستكبر ويدعي تجنب أي تحيز أعمى ،ثم يسمي أحد الطرفين بالمستكبرين ويدعي النقد العلمي والمنطقي ،ثم يحول التوحيد إلى أداة سياسية ويدعي تقريب وجهات النظر، ثم يفرض ثنائية تزرع العداء لا الحوار، وهذا التناقض ليس مجرد زلة لفظية بل هو دليل على أن النص ،يريد أن يكون علمياً في القول وأيديولوجياً في الفعل

  1. تاسعاً في شأن الترجمة والتقديم

إن المترجم مهدي مرتضوي بارزاني مدينة قم العلمية،
حين يقدم الكتاب إلى القارئ الفارسي يقع في ذات الثغرات التي وقع فيها المؤلف، فهو يكرس الثنائية القطبية ويبرر التحويل السياسي للعقيدة ويقدم العمل باعتباره خطوة نحو تقريب وجهات النظر، وهذا يذكرنا بأن الترجمة هنا ليست نقلاً معرفياً محايداً بل هي امتداد للمشروع الأيديولوجي ذاته.

توصيات الناقد

إن ما سبق ليس هجاءً ولا رفضاً لمضمون بعينه بل هو تنبيه منهجي المؤلف عصام العماد، إلى أن العمل المعروض أمامنا يحتاج قبل كل شيء إلى إعادة بناء منهجية ،فإذا أراد المؤلف أن يقدم عملاً علمياً حقيقياً في مقارنة المدارس الفكرية الإسلامية، فعليه أن يحدد سؤاله البحثي بوضوح فهل هو يدرس التوحيد كمسألة كلامية ،أم يدرس تأثير المدارس الدينية في السياسة المعاصرة ،وعليه أن يفصل المستويات التحليلية ،فالعقدي منفصل عن السياسي، والتاريخي منفصل عن المقارن، وعليه أن يقدم إطاراً نظرياً يبرر المقارنة ويحدد منهجها .

وعليه أن يتجنب الأحكام القيمية المسبقة في المصطلحات والعناوين، وعليه أن يقدم النصوص الأولية ويحللها تحليلاً سياقياً لا اقتطاعاً تبريرياً، وأنا كاتب هذه السطور لا أدعي امتلاك الحقيقة ولا أزعم أنني قد أحيط بجميع جوانب هذا الموضوع الجليل ،إنما أقول إن العلم له شروطه والمنهج له قواعده والنقد له أخلاقه ،فإذا أردنا أن نحاور بعضنا بعضاً حول أعز ما نملك وهو إيماننا وعقيدتنا ،فلنحاور بمنهجية تليق بجلال الموضوع لا بأدوات تنزله إلى ساحة الصراعات الحزبية والمذهبية ،والله نسأل أن يوفق الجميع لما يحب ويرضى ،وأن يجعل الحق أحب إلينا من الهوى والمنهج أغلى عندنا من الغاية