الثلاثاء، 29 سبتمبر 2026 | الموافق ١٦ ربيع الآخر ١٤٤٨ هـ
الرأي

حياد القاضي... ضمانة للمتقاضين لا امتياز للقضاة

الفـسـاد عـائـق أمام الإصـلاح والنـهـض.

سألني جاري الذي لديه خصومة أمام إحدى محاكم عدن:
"ماذا يعني حياد القاضي يا دكتور؟"

فأحببت أن أشارك إجابتي مع الجميع، لعلها تكون نافعة لمن يقف أمام القضاء، أو لمن يريد أن يفهم كيف تُدار العدالة داخل قاعة المحكمة.

في قاعة المحكمة، لا يدخل الخصوم بحثًا عن موقفٍ شخصي من القاضي، ولا ينتظرون منه أن يتبنى رواية هذا الطرف أو ذاك؛ إنما يدخلون إلى محرابٍ يُفترض أن تكون فيه الخصومة بين الأطراف، بينما يبقى القاضي خارجها، متجردًا من الميل، ممسكًا بميزان القانون.

وهنا تبدأ حقيقة مهمة: حياد القاضي ليس امتيازًا للقاضي، وإنما ضمانة للمتقاضين.

فالخصومة القضائية بطبيعتها تقوم على طرفين أو أكثر، لكلٍّ منهم ادعاؤه ودفاعه وأدلته ودفوعه. ومهمة القضاء ليست أن يبحث عن طرفٍ ينتصر، وإنما أن يبحث في النزاع وفق القانون والإجراءات والأدلة التي تُطرح أمامها، حتى تصل إلى النتيجة التي يبررها القانون.

والحياد لا يعني أن يكون القاضي متفرجًا على الخصومة، ولا أن يتخلى عن دوره في إدارة الدعوى. بل للقاضي أن يدير إجراءاتها، ويحافظ على نظامها، ويطلب ما يجيزه القانون، ويمنع العبث بالإجراءات، ويضمن أن تسير المحاكمة في إطارها الصحيح.

لكن ثمة فارقًا دقيقًا بين إدارة الخصومة والانخراط فيها.

فحين يتحول الدور القضائي من ضبط إجراءات الدعوى إلى تعويض أحد الخصوم عن نقص حجته، أو بناء دفاعٍ لم يقدمه، أو البحث له عن دليلٍ لم يطرحه، أو توجيه مسار الخصومة بصورة تمنحه أفضلية على خصمه، فإن المسافة بين منصة القضاء وأحد أطراف الدعوى تبدأ في التضاؤل.

وهنا تكمن أهمية ما يمكن تسميته بالحياد الإيجابي؛ فالحياد لا يعني السلبية، وإنما يعني أن يكون تدخل القاضي ــ حيث يسمح القانون ــ موجهًا إلى حماية سلامة الإجراءات وتحقيق التوازن بين الخصوم، لا إلى ترجيح أحدهم.

فالمدعي له حق في أن تُسمع دعواه، والمدعى عليه له الحق ذاته في أن يُسمع دفاعه، ولكل طرف أن يعرف ما يقدمه خصمه، وأن يناقشه، وأن يرد عليه، وأن يقدم ما يسمح به القانون من أدلة ودفوع.

ومن هنا، فإن المساواة بين الخصوم ليست مجاملة إجرائية، وإنما هي جوهر العدالة القضائية.

والقاعدة البسيطة التي ينبغي ألا تضيع وسط تعقيدات الخصومة هي أن المحكمة لا تنظر إلى الأشخاص بقدر ما تنظر إلى مراكزهم القانونية وما يقدمونه من وقائع وأدلة وحجج وفقًا للقانون.

فلا ينبغي أن يكون أحد الخصوم أكثر قربًا من المحكمة بسبب قدرته على الحديث، أو مكانته الاجتماعية، أو معرفته، أو تأثيره، كما لا ينبغي أن يصبح ضعف أحد الأطراف سببًا في منحه مركزًا إجرائيًا لا يمنحه له القانون.

القضاء لا يحمي القوي لأنه قوي، ولا ينتصر للضعيف لأنه ضعيف؛ القضاء يحمي الحق لأنه حق، ويطبّق القانون لأنه قانون.

ومن أكثر المسائل حساسية في هذا السياق مسألة الإثبات.

فالخصومة لا تُحسم بمجرد الادعاء، ولا بمجرد قوة الرواية، ولا بكثرة الكلام؛ وإنما لكل دعوى نظامها في الإثبات، ولكل طرف ما يقرره القانون من حقوق وواجبات في تقديم حجته ودحض حجة خصمه.

وهنا يظهر الحياد في صورته الأكثر دقة: أن يظل معيار المحكمة واحدًا تجاه الجميع.

فإذا طُلب دليل من طرف، ينبغي أن يكون طلبه قائمًا على مقتضى قانوني واضح، وإذا أتيح له تقديمه، وجب احترام حق الطرف الآخر في الاطلاع عليه ومناقشته والرد عليه. وإذا كان هناك نقص في دعوى أحد الخصوم، فلا ينبغي أن يتحول القاضي إلى محامٍ عنه، كما لا يجوز أن يكون دوره عقبة أمام دفاع خصمه.

إن العدالة لا تُقاس فقط بالنتيجة النهائية للحكم، وإنما كذلك بالطريق الذي وصلت المحكمة من خلاله إلى تلك النتيجة.

ولهذا، فإن الحكم العادل يحتاج إلى محاكمة عادلة تسبقه.

وقد يختلف المتخاصمون مع الحكم، وهذا أمر طبيعي في القضاء؛ لكن الخطر الحقيقي يبدأ عندما يشعر أحدهم أن فرصته في عرض دفاعه لم تكن مساوية لفرصة خصمه، أو أن المحكمة استمعت إلى رواية طرف أكثر مما استمعت إلى الآخر، أو أن معيار التعامل مع الأدلة لم يكن واحدًا.

فالخصم لا يطلب من المحكمة أن تحكم له لمجرد أنه يطلب ذلك؛ وإنما يطلب أن يُعامل أمامها باعتباره طرفًا كامل الحقوق في الخصومة، وأن يكون الحكم نتيجةً لما ثبت في الدعوى وفقًا للقانون.

ومن هنا، فإن استقلال القاضي وحياده وجهان متلازمان للعدالة؛ فاستقلال القاضي يحميه من التأثير الخارجي، والحياد يحمي الخصوم من الميل داخل الخصومة نفسها.

وفي النهاية، لا يحتاج القاضي إلى أن يكون قريبًا من أحد المتخاصمين حتى يحقق العدالة، ولا إلى أن يكون قاسيًا على الجميع حتى يثبت حياده.

يكفي أن يكون واضحًا في معاييره، متوازنًا في إدارته، متجردًا في نظره، دقيقًا في تقديره، ومقيدًا بالقانون.

فالعدالة الحقيقية ليست أن يخرج أحد الخصمين منتصرًا والآخر خاسرًا فحسب؛ وإنما أن يخرج الجميع وهم يدركون أن المحكمة لم تكن طرفًا في النزاع، وأن القاضي لم يحمل خصومة أحد، ولم يدافع عن أحد، ولم يبحث عن انتصار شخصي، وإنما أدى وظيفته في أسمى صورها: أن يجعل القانون هو الطرف الأقوى في قاعة المحكمة.

وهنا تحديدًا يصبح حياد القاضي أكثر من قاعدة إجرائية؛ يصبح ثقافة قضائية، وضميرًا مهنيًا، وأساسًا لثقة المجتمع بالقضاء.

فحين يتجرد القاضي، تتجرد العدالة من كل مؤثر خارج القانون؛ وحين يشعر الخصوم بأن ميزان المحكمة واحد للجميع، يصبح احترام الحكم ممكنًا حتى لمن لم يأتِ لصالحه.

ذلك هو جوهر حياد القاضي:

ألا يكون مع هذا أو ذاك، بل أن يكون مع القانون؛ وألا يبحث عن طرفٍ ينتصر، بل عن عدالةٍ تستحق أن تنتصر.