تعز ليست مجرد جغرافيا تقع في جنوب المحافظات الشمالية لليمن، بل هي حالة فكرية ونموذج حضاري تشكّل عبر التاريخ، وفضاء اجتماعي وثقافي ارتبط بالكلمة والمقاومة، وبحق الإنسان في أن يعيش حراً كريماً ، ومتساوياً مع غيره في الحقوق والواجبات.
تعز هي المدينة التي قالت (لا ) للاستبداد والطغيان، ورفضت أن يكون الإنسان تابعاً لقوة أعلى منه، أو أن تصبح البندقية مصدراً للحكم.. ومن هنا فإن جوهر تعز يكمن في قدرتها على إنتاج الكلمة، والدفاع عن فكرة الدولة، والتمسك بحق الإنسان في المواطنة والكرامة.
في تجربتها المدنية، ترفض تعز الاحتكام إلى قانون البندقية؛ فالسلاح قد يفرض الصمت، لكنه لا ينتج دولة، ولا يؤسس مواطنة، ولا يصنع عقداً اجتماعيا، ولا يمنح القوة شرعية أخلاقية أو قانونية. فالدولة لا تقوم على الغلبة، وإنما على القانون، ولا تستمد مشروعيتها من قوة السلاح، بل من رضا المجتمع واحترام حقوق أفراده.
وتعز ليست مدينة طائفة أو مذهب بعينه، ولا ينبغي اختزال هويتها في انتماء ديني أو مذهبي أو سياسي. إنها مدينة لكل اليمنيين، ويتسع فضاؤها لمختلف المذاهب والاتجاهات الفكرية والسياسية، ويظل الإنسان فيها هو جوهر المدينة وغايتها.
ومن حق الإنسان أن يمارس شعائره وطقوسه الدينية بحرية، ما دام يحترم حقوق الآخرين وحرياتهم. فحرية الاعتقاد وممارسة الشعائر الدينية حق إنساني، وليست امتيازاً تمنحه جماعة لجماعة أخرى.
لكن الخطر يبدأ عندما تتحول الممارسة الدينية من حق مكفول إلى مشروع سياسي يفرض بقوة السلاح، ويسعى إلى احتكار المجال العام، أو إقصاء المختلف، أو مصادرة حق الآخرين في الاعتقاد والتعبير والمشاركة السياسية.
تعز التي صنعت حضورها بالكلمة لا يمكن أن تختزل في صوت الرصاص. فالكلمة، حين تكون حرة ومسؤولة، تصبح أداة للمقاومة المدنية، بينما تتحول البندقية، حين تستخدم لفرض الإرادة على المجتمع، إلى تهديد لفكرة الدولة نفسها. ولهذا فإن معركة تعز الحقيقية ليست مع جماعة بعينها، وإنما مع منطق القوة المسلحة حين يتحول إلى سلطة أمر واقع تفرض نفسها على المجتمع.
ومن هنا، فإن مستقبل تعز ينبغي أن يقوم على توازن الحقوق لا توازن البنادق، وعلى سيادة القانون لا موازين القوة، وعلى الثقة المتبادلة بين المجتمع ومؤسسات الدولة لا على الخوف.
وتعز قادرة على أن تقدم نموذجًا للمدينة التي تقول إن الخلاف السياسي لا يحل بالسلاح، وإن الاختلاف المذهبي لا يبرر الإقصاء، وإن حماية المجتمع لا تكون بتكريس جماعات مسلحة فوق الدولة، وإنما ببناء مؤسسات قانونية تخضع للمساءلة.
فالمدنية ليست شعاراًجمالياً ، وإنما منظومة من الحقوق والحريات والمؤسسات ، حرية التعبير، وحرية الاعتقاد، والمساواة أمام القانون، وحق المواطنةو المشاركة السياسية، واستقلال القضاء، والمساءلة، ورفض الإفلات من العقاب.
وهي قبل ذلك ثقافة تقوم على احترام الإنسان، وقبول الاختلاف، والاحتكام إلى القانون، وإدراك أن التنوع يمكن أن يكون مصدرًا للقوة حين يتحول إلى شراكة ومواطنة متساوية.
ولهذا فإن الدفاع عن مدنية تعز لا يعني الدفاع عن مناطق جغرافية ، ولا عن جماعة ضد جماعة، وإنما الدفاع عن فكرة أوسع تتجاوز حدود تعز نفسها: أن اليمن يمكن أن يكون وطناً لجميع أبنائه، وأن العقد الاجتماعي هو الطريق إلى تحويل التنوع إلى مواطنة، والاختلاف إلى شراكة، والقوة إلى دولة خاضعة للقانون.
ستظل تعز مدينة الكلمة ما دامت تؤمن بأن الإنسان أكبر من البندقية، وأن الوطن أكبر من الجماعة، وأن الدولة أكبر من السلطة المؤقتة، وأن القانون أعلى من حامل السلاح.
والانتصار الحقيقي لتعز ليس أن تنتصر بندقية على بندقية، وإنما أن تنتصر فكرة الدولة على منطق القوة، وأن ينتصر القانون على الفوضى، وأن تنتصر المواطنة على العصبية، وأن تنتصر المساواة على الامتيازات، وأن يصبح الاختلاف مصدراً للتنوع لا ذريعة للإقصاء.
تعز ليست مدينة تبحث عن انتصار بندقية على أخرى؛
تعز تبحث عن انتصار الإنسان على البندقية، وانتصار القانون على القوة، وانتصار المواطنة على الغلبة.





