الإثنين، 12 أكتوبر 2026 | الموافق ٢٩ ربيع الآخر ١٤٤٨ هـ
الرأي

كيف ينتحر الحوثي في تعز؟

التحوث واستعادة الهويه الشافعية من الاخوانيه الوهابيه

لا يمكن فهم انتحار الحوثي في تعز من خلال ارتفاع عدد قتلاه أو حجم خسائره العسكرية وحدهما، بل من خلال طبيعة المعركة نفسها. فمنذ سنوات، لا يواجه الحوثي مدينة يمكن إخضاعها بعملية عسكرية ، وإنما يواجه جبهة متشابكة تتداخل فيها خطوط التماس مع المرتفعات والطرق وممرات الإمداد والمناطق السكنية. وكل محاولة لتغيير هذه المعادلة تفرض عليه كلفة جديدة، من دون أن تضمن له الوصول إلى الحسم الذي يريده،

في تعز تحديداً، لا تنتهي كلفة المعركة عند حدود الهجوم فالموقع الذي ينتزعه يحتاج إلى تثبيت، والطريق الذي يضغط عليه يحتاج إلى مراقبة، والقوة التي يدفع بها إلى الجبهة تحتاج إلى إمداد وحماية وتعويض.

وحين لا يؤدي التقدم الميداني إلى انهيار الطرف المقابل، تصبح المحافظة على المكاسب عبئاً إضافياً فوق كلفة تحقيقها. وهكذا لا تعود المسألة مجرد السيطرة على مرتفع أو الاقتراب من طريق، بل تتحول إلى معركة مفتوحة لاستدامة السيطرة تحت ضغط المقاومة.

وتظهر هذه المعادلة بوضوح في أهمية الطرق المحيطة بتعز. فالصراع على المداخل والمسارات الحيوية، بما فيها الطرق المرتبطة بالمعافر والمواسط والوازعية والاتجاهات المؤدية إلى الساحل الغربي، لا يتعلق بالجغرافيا وحدها، بل بقدرة الأطراف على تحريك قواتها وتأمين خطوط إمدادها وتثبيت مواقعها.

وكلما اتسعت جبهة الضغط على هذه المسارات، ازدادت الحاجة إلى توزيع القوات على مساحات أوسع، وأصبح الحفاظ على المواقع القائمة جزءاً من المعركة لا يقل كلفة عن محاولة التقدم. وقد أظهرت التطورات الميدانية الأخيرة أن هذه المسارات لا تزال جزءاً أساسياً من الصراع على تعز ومحيطها،

لكن جوهر الاستنزاف لا يكمن في أن الحوثي يخسر بالضرورة كل مواجهة، بل في أن ما يحققه ميدانياً لا يكون كافياً لتغيير النتيجة العامة. فقد يفرض ضغطاً على طريق، أو يسيطر على موقع، أو يدفع الجيش والمقاومه إلى التراجع من منطقة محددة، لكن هذه المكاسب لا تعني تلقائياً سقوط تعز أو انهيار المقاومة فيها.

وإذا بقيت المدينة قادرة على الصمود واستمرت الجبهات في منع الحسم، فإن كل تقدم محدود يظل معرضاً للتحول إلى التزام عسكري طويل الأمد يحتاج إلى موارد إضافية لحمايته.

وهنا تبدأ المفارقة الحقيقية. فالحوثي يريد من الضغط على تعز أن يقربه من إخضاعها، لكن استمرار الضغط من دون حسم يجعله يدفع كلفة السيطرة على محيط المدينة من غير أن يحصل على السيطرة الكاملة عليها. وهو لا يستطيع تجاهل الجبهة لأن موقع تعز واتصالها بالمناطق الساحلية والطرق المؤدية إلى الجنوب يمنحانها وزناً يتجاوز حدود المدينة نفسها.

وفي المقابل، فإن إبقاء قواته في حالة استعداد ومواجهة مستمرة يعني تخصيص جزء من موارده البشرية والعسكرية واللوجستية لمعركة لا تزال نتيجتها مفتوحة.

ولا يقتصر الاستنزاف هنا على المقاتلين والذخائر. فهناك أيضاً كلفة الفرصة البديلة، أي ما يخسره الحوثي من قدرة على استخدام موارده في جبهات أخرى حين يضطر إلى إبقاء جزء منها مرتبطاً بتعز.

وكلما طال أمد المواجهة من دون نتيجة حاسمة، أصبح عليه أن يوازن بين مواصلة الضغط وبين حاجته إلى الاحتفاظ بموارده لمعارك أخرى. ولا يمكن الجزم بحجم هذا الاستنزاف من دون بيانات موثوقة عن القوات والخسائر والإمدادات، لكن منطق المعركة يوضح أن استمرار الجبهة المفتوحة يفرض التزامات لا تنتهي بمجرد تحقيق تقدم موضعي.

فالانتحار الاستراتيجي ليس أن يخسر الحوثي معركة غداً، بل أن يواصل ضخ موارده في جبهة تستنزف قدرته على المناورة، بينما تظل المدينة خارج الحسم الذي يسعى إليه. فكل محاولة لا تغير النتيجة العامة تتحول إلى عبء جديد، وكل مكسب يحتاج إلى كلفة مستمرة لحمايته قد يفقد جزءاً من قيمته، وكل جولة تعيد إنتاج الصراع من النقطة التي بدأ منها.

والسؤال الذي تختصر به تعز هذه المفارقة هو: كم يستطيع الحوثي أن ينفق من قوته لإبقاء المدينة تحت الضغط قبل أن تصبح كلفة استمرار المعركة أكبر من عائدها؟ فالمشكلة ليست أن الحوثي عاجز عن إيلام تعز، بل أن إيلامها لا يساوي إخضاعها، وأن السيطرة على محيطها لا تعني بالضرورة امتلاك القدرة على حكمها.

وإذا استمر هذا الفارق، فقد تتحول تعز إلى جبهة يستهلك فيها الحوثي قوته للحفاظ على واقع لم يستطع تغييره، وهنا تحديداً يبدأ الانتحار الاستراتيجي.