الأربعاء، 28 أكتوبر 2026 | الموافق ١٥ جمادى الأولى ١٤٤٨ هـ
الرأي

تعز التي تنزف في وجه الحوثي: أي عقول هذه التي أدمنت القتل..¡

الدكتور عادل الشجاع "الخلاف بين رئيس المجلس الرئاسي والحكومة يكشف ضعف القرار اليمني والهيمنة الخارجية ومقتل صالح كان ضمن اتفاق دولي"

هناك جرائم لا تكفي الكلمات لوصفها، ومآس لا تستطيع الخطب مهما علت أن تمنح ضحاياها حقهم. وهناك مدن لا تقاس عظمتها بعدد أبنائها فحسب، بل بقدرتها على الصمود في وجه الموت، وعلى الاحتفاظ بكرامتها رغم الحصار والقصف والجراح. وتعز واحدة من تلك المدن التي دفعت أثمانا باهظة من دم أبنائها، وأصبحت جراحها شاهدا على عبث حرب مزقت اليمنيين، وأثقلت حاضرهم، وهددت مستقبل أجيالهم..

إن ما تقوم به جماعة الحوثي من ممارسات دموية وانتهاكات بحق أبناء تعز، وما يرافق هذه الحرب من قتل وترويع واستهدافٍ للمدنيين، يطرح سؤالا أخلاقيا لا تستطيع الشعارات الدينية ولا الخطب السياسية الإجابة عنه: أي قضية تلك التي تحتاج إلى دماء اليمنيين كي تستمر؟ وأي نصر هذا الذي ترفع راياته فوق أنقاض البيوت وأشلاء الأبرياء؟.

إن المأساة ليست في السلاح وحده، فالسلاح قد تحمله يد لا تعرف عواقبه، لكن الكارثة الحقيقية حين يستخدم العقل لتبرير الجريمة، وحين تروض الضمائر حتى يصبح القتل واجبا في نظر صاحبه، ويصبح سفك الدم بطولة، ويصور الانتقام على أنه عقيدة، والعدوان على أنه انتصار..

يا لها من عقولٍ أرهقها الإجرام حتى لم تعد تميز بين الشجاعة والوحشية، ولا بين نصرة قضية وإبادة أصحاب القضايا! أي فقر أخلاقي هذا الذي يجعل الإنسان يذهب إلى مدينة يمنية ليقتل إنسانا يمنيا.

ثم يعود متباهيا بأنه أدى واجبه؟ وأي عبث أشد من أن يقنع المرء نفسه بأنه ينتصر لليمن، بينما يشارك في تمزيق اليمنيين وتحويل قراهم ومدنهم إلى ساحات للثأر والخراب؟.

إن المدينة التي تتعرض للعدوان اليوم قد تصمت عن بعض جراحها، لكنها لا تمحوها من ذاكرتها. والدم الذي يسفك لا يتحول إلى ماء بمجرد أن تنتهي المعركة، والبيوت التي تفقد أبناءها لا تستعيدهم حين تتغير الشعارات. فكل جريمة تترك وراءها أما مكسورة، وأبا مفجوعا، وزوجة تنتظر، وطفلا يكبر وفي قلبه سؤال لا يجد له جوابا: لماذا قتل أبي؟.

وهنا تكمن الجريمة الأكبر: أن تصنع الكراهية بأيدي من يزعمون أنهم أصحاب الحق، وأن تزرع بذور الثأر في قلوب أجيال لم تختر الحرب، ولم تحمل السلاح، ولم يكن لها ذنب سوى أنها ولدت في وطن قررت جماعات السلاح أن تتنازع على مصيره..

إن أخطر ما يمكن أن ترتكبه أي جماعة مسلحة هو أن تتوهم أن إخضاع مدينة بالقوة يعني كسب أهلها، أو أن إسكات الناس بالرصاص يعني إقناعهم، أو أن إيلام الأسر يجعلها تنسى من تسبب في مأساتها..

إنكم، حين تسمحون باستمرار هذه الممارسات، لا تصنعون سلاما ولا تبنون دولة، بل تراكمون المظالم، وتوسعون دائرة الغضب، وتتركون للأجيال القادمة ميراثا ثقيلا من الخوف والخصومة والرغبة في استعادة الحقوق..

إذا كنتم تعتقدون أن القصف والقنص والحصار والترويع يمكن أن يمنحكم محبة الناس، فأنتم تخدعون أنفسكم. وإذا كنتم تظنون أن الخوف الذي تزرعونه اليوم سيبقى إلى الأبد، فالتاريخ مليء بأمثلة على أن القوة التي لا تستند إلى العدل تظل عاجزة عن صناعة سلام مستقر..

تعز ليست ميدانا لاختبار قسوتكم، وأطفال اليمن ليسوا وقودا لحروبكم، ودماء اليمنيين ليست ملكا لكم كي تقرروا متى تسفك ومتى تستباح.. إن العقول التي أدمنت تبرير الدم، فلتعلم أن كثرة الشعارات لا تجعل الجريمة فضيلة، وأن تكرار كلمة الحق لا يحول الباطل إلى حق، وأن الادعاء بالدفاع عن المظلومين يفقد معناه حين يصبح الأبرياء أنفسهم ضحايا..