قد تتوقف المعركة العسكرية حول إيران/إسرائيل قريبًا، لكن المعركة الفكرية والأيديولوجية لا بد أن تشتعل وتستمر لسنوات.
هذا الجموح لدى الرأي العام العربي لتبني الدعايات الشعبوية والفارغة، والتحلّق حول قوى طائفية وفاشية باسم المقاومة والصمود، وتأييد قصف الدول العربية من قبل خصم عنصري طائفي… كل هذه الظواهر الخطيرة لا يمكن تركها دون نقاش.
عام 1990، كنت طالبًا في الثانوية، وتظاهرت مع المتظاهرين تأييداً لغزو صدام للكويت، وتحقيق الوحدة بالقوة، وإخراج القواعد الأجنبية… وغيرها من الدعايات السياسية الفارغة.
أذكر موقفي اليوم وأسخر منه، لكنني أجد العذر لنفسي لأنني كنت حينها شابًا في السابعة عشرة أو الثامنة عشرة من عمري، وغافلًا عن حقيقة الأمور. لكن الوضع العقلي والفكري للرأي العام العربي اليوم أخطر وأشد تدهورًا.
فمن يؤيدون الأجندة الطائفية التدميرية الإيرانية اليوم ليسوا شبابًا بلا وعي، بل هم مثقفون وسياسيون وعالمون ببواطن الأمور وظواهرها. والرأي العام العربي اليوم لا يتحلّق حول ديكتاتور كان له بعض الإيجابيات كصدام حسين، بل يقدّس ميليشيات ماضوية عنصرية طائفية دمّرت دولها ومجتمعاتها، وجرّتها إلى مهاوي الموت والدمار والفقر والجوع.
ما الذي يجعل المواطن العربي اليوم يعطي عقله وقلبه لميليشيات عدمية، طائفية ولدولة دينية متخلفة ،أجاعت شعبها وقتلته ودمّرت كل إمكانيات تقدمه؟
الكثير من التحليل النفسي والسياسي والاقتصادي لازم لفهم السبب، والكثير من الجهود لازمة لتفكيك أكاذيب الصمود والنصر الحتمي، ومقاومة خطاب تدمير المجتمعات.
إن معركة نقد العقل العربي التي بدأت في تسعينيات القرن الماضي ولم تكتمل، لا بد أن تعود اليوم بقوة؛ ليس فقط لنقد الخطاب الفكري، بل لنقد العقل الشعبي والنخبوي والسياسي معًا، وفهم الآليات التي تجعل المجتمعات تعيد إنتاج الأوهام نفسها جيلاً بعد جيل, فالعقل العربي عقل مهزوم قبل أي معركة.





