خلال حرب إيران وحتى قبلها، دأب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على التهديد بالانسحاب من حلف شمال الأطلسي (الناتو). سفير أمريكي سابق يرى أن الحلف "لم يمت بعد"، بيد أن التصدع بين ضفتي الأطلسي لا تخطئه عين.
من دون مواربة، قال إيفور دالدر السفير الأمريكي السابق لدى حلف شمال الأطلسي إن "حلف الناتو ينهار". وأضاف أن التوترات بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والحلفاء الأوروبيين بشأن الحرب في إيران قد دفعت الحلف، الذي بلغ عامه الـ 77 إلى "أسوأ أزمة" في تاريخه.
بيد أن هذه التحذيرات لم تكون وليدة الأسابيع الأخيرة فحسب؛ فقبل عام، نشر إيفور دالدر مقالاً يُظهر فيه كيف يُمكن للدول الأوروبية إعادة هيكلة حلف شمال الأطلسي "الناتو" من دون الولايات المتحدة، التي بُني الحلف على قيادتها.
دالدر الباحث البارز في مركز بلفر بجامعة هارفارد المرموقة تطرق إلى عدة عوامل ساهمت في وصول حلف شمال الأطلسي إلى هذا الوضع المتردي. وأضاف في مقابلة خص بها DW أن الأمر لا يتعلق فقط بالإهانات التي يُوجهها ترامب للحلف وأعضائه الأوروبيين، حيث وصف ترامب مؤخراً الحلف بأنه "نمر من ورق".
وتابع المتحدث ذاته أن المشكلة لا تكمن فقط في لهجة ترامب العدائية وتهديداته المُتكررة بالانسحاب من الحلف، بل تصل إلى حد أن مجموعة من الحكومات الأوروبية رفضت المساعدة في حرب واشنطن على إيران، ومنعت استخدام قواعدها العسكرية ومجالها الجوي للقيام بعمليات هجومية على إيران.
وقال دالدر في هذا الصدد: "إن التحرك الأوروبي يعكس حقيقة أن حلف الناتو يعاني من خلل عميق، ويؤكد حقيقة أن أوروبا لم تعد تثق بالولايات المتحدة، وتعتبرها حليفاً غير موثوق به، وبالتالي لم تعد راغبة في المشاركة في مثل هذه العمليات. ولهذا السبب، تُعدّ هذه أسوأ أزمة يمر بها حلف الناتو".
فيما دعم مارك روته الأمين العام لحلف شمال الأطلسي التحرك الأمريكي-الإسرائيلي، وقلل من شأن حدة الخلافات. وقال روته في هذا الشأن: "في الحلف، ستكون هناك دائماً وجهات نظر مختلفة. لكن عندما يتعلق الأمر بعدم السماح لإيران بامتلاك قدرات نووية وصاروخية، فنحن جميعا متفقون... ما تفعله الولايات المتحدة الآن هو إضعاف تلك القدرات. ونعم، أنا أؤيد ذلك".
وكثيرا ما تحدث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن احتمال الانسحاب من حلف شمال الأطلسي "الناتو"، إذ قال مؤخراً إن هذا الاختيار "قابل لإعادة النظر". لكن لا أحد يعرف على وجه اليقين، ما إذا كان ترامب سيحاول في يوم ما الانسحاب فعلا من الحلف.
ويبقى الأمر الثابت أن الانسحاب لن يكون بالأمر الهين، حيث يعود ذلك جزئياً إلى وزير الخارجية الأمريكي الحالي ماركو روبيو، الذي قدم عندما كان عضواً في مجلس الشيوخ مشروع قانون تم إقراره عام 2023 يشترط الحصول على موافقة ثلثي مجلس الشيوخ كشرط للانسحاب من الحلف.
وبعد ثلاث سنوات، يصرّ دونالد ترامب على أنه سيكون قادراً على القيام بذلك على أي حال. ويتفق إيفور دالدر السفير الأمريكي السابق في "الناتو" مع هذا الطرح، مضيفاً أن التحدي الدستوري الذي قد يثيره هذا الأمر من شأنه أن يُرجح كفة سلطة الرئيس. واليوم يبدو أن ماركو روبيو قد تحول إلى مشكك في جدوى وجود بلاده في الحلف.
ومن ميثاق حلف الناتو، هناك مادة في معاهدة واشنطن لعام 1949 تحدد إجراءات الانسحاب، لكنها لم تُستخدم من قبل. وتنص المادة 13 على ما يلي: "بعد مرور عشرين عاماً على سريان المعاهدة، يجوز لأي طرف أن يتوقف عن كونه عضواً بعد عام واحد من تقديم إشعار الانسحاب إلى حكومة الولايات المتحدة الأمريكية، التي بدورها تُبلغ الحكومات الأخرى بإيداع إشعار الانسحاب.
وهناك العديد من الطرق التي يُمكن لدونالد ترامب الاعتماد عليها لإضعاف حلف شمال الأطلسي "الناتو" دون الانسحاب منه، وأيضاً دون الحصول على موافقة الكونغرس. يمكن للرئيس الأمريكي إعادة القوات الأمريكية إلى بلدها، أو التوقف عن تزويد هياكل وقيادة "الناتو" بالكوادر -وهو ما يحدث اليوم جزئياً- كما يُمكن لترامب أن يُقرر عدم تعيين قائد أعلى لقوات الحلف في أوروبا، وهو منصب عسكري يشغله دائماً مواطن أمريكي الجنسية.





