السبت، 11 أبريل 2026 | الموافق ٢٣ شوال ١٤٤٧ هـ
الرأي

فتحي بن لزرق لم يتغير لكنه أمام منظومة لا تفهم النقد

تشريح لبنية ذهنية مغلقة

لم يبدأ بالصدام. لم يرفع الصوت . لم يكسر التوازن. فتحي بن لزرق كان يمشي بحذر. يكتب ويصمت. يقترب ثم يتراجع. يترك لهم مساحة. ويترك لنفسه هامش النجاة . سنوات من المهادنة. سنوات من الصمت الذكي. لا معهم تماماً . ولا عليهم تماماً. حالة رمادية مريحة للجميع . له .. ولهم ، عدا الإنتقالي .

ثم حدث الشرخ . كلمة واحدة. نقد واحد. خطأ فادح قاله كما هو . بلا تزويق. بلا خوف. هنا تغيّر كل شيء. هنا سقط القناع. هنا انفجرت البنية الحقيقية . تنظيم الإخوان المسلمين لا يحتمل رؤية أخطاءه. لا يحتمل الصوت الخارج عن الطاعة . لا يحتمل فكرة أن يُخطئ .

في لحظة واحدة . تحوّل الرجل. من مقبول إلى مشبوه. من محايد إلى عدو. من اسم عابر . إلى هدف مباشر. كيف ؟ بهذه السرعة. بهذه القسوة . بهذه الشراسة. لأننا أمام منظومة لا تفهم النقد . لكنها تترجمه فوراً إلى خيانة . لا تفهم المراجعة. بل تراها تمرداً. لا ترى الخطأ. لكنها ترى من كشف الخطأ .

هذه ليست حادثة عابرة . هذه آلية. نمط تفكير. بنية مغلقة. تعيش على الطاعة. وتخاف من السؤال . وتنتج قطيعاً رقمياً جاهزاً للانقضاض . كلما اهتزت صورتها.

هنا تدخل فكرة القداسة. قداسة مصطنعة. قداسة مبنية على الخوف لا على الحقيقة. الجماعة لا تقدّس الفكرة فقط . لكنها تقدّس نفسها كحامل وحيد لها . تصبح هي الدين. هي الوطن. هي المعنى . ومن يخرج عليها. لا يختلف .. لكنه ينحرف لا يعارض لكنه يكفر. هكذا تُبنى المقصلة . هكذا يُصنع العدو .

في لحظة واحدة . تحوّل الرجل. من مقبول إلى مشبوه. من محايد إلى عدو. من اسم عابر . إلى هدف مباشر. كيف ؟ بهذه السرعة. بهذه القسوة . بهذه الشراسة. لأننا أمام منظومة لا تفهم النقد .

ثم يأتي القطيع. لا أفراد. لا اختلاف. لا تباين. حسابات كثيرة. عقل واحد. لغة واحدة. قاموس جاهز. خائن. عميل. مأجور. مرتد. الكلمات تُرمى بسرعة. بلا تفكير. بلا تحقق. كأن هناك نصاً مركزياً يُوزّع. وكأن الجميع يقرأ من ورقة واحدة .

الهجوم ليس نقاشاً . ليس تفنيداً. ليس رداً. هو اجتياح . محاولة سحق. اغتيال معنوي كامل. الهدف ليس إقناعك. الهدف إسكاتك. ليس الرد على الفكرة. بل محو صاحبها. تحويله إلى عبرة. رسالة لكل من يفكر أن يكرر الخطأ .

والمفارقة القاسية. أن الخطأ الأصلي .. يختفي. يتبخر. لا أحد يعود إليه. لا أحد يناقشه. لا أحد يصححه . يصبح غير مهم. المهم فقط : من قال ؟ لماذا قال؟ كيف تجرأ ؟ هنا تتحول الحقيقة إلى تفصيل صغير. ويتحول الولاء إلى القضية الكبرى .

فتحي بن لزرق لم يتغير. لم ينقلب. لم يبدل جلده. هو نفسه قبل الكلمة وبعدها . لكن موقعه لديهم .. انهار. لأن العلاقة لم تكن قائمة على الحقيقة . كانت على الصمت تقوم. وحين كُسر الصمت. انكشفت الهشاشة .

هذه ليست حادثة عابرة . هذه آلية. نمط تفكير. بنية مغلقة. تعيش على الطاعة. وتخاف من السؤال . وتنتج قطيعاً رقمياً جاهزاً للانقضاض . كلما اهتزت صورتها. كلما ارتفع صوت مختلف. كلما اقترب أحد من منطقة الخطأ .

في النهاية. لا يُعاقَب الخطأ. يُعاقَب من كشفه. لا تُراجع الجماعة نفسها. لا تبحث عن الحقيقة. لكنها تبحث عن السيطرة. وهنا .. بالضبط. يبدأ السقوط الكبير . ليس لأن هناك من هاجمها. لكن ، لأنها لم تحتمل أن ترى نفسها.