في تقديري ثمة بداهة أولى لا تقبل الجدل: أن الفوضى، أينما نشأت، ليست مجرد حالة عادية من الاضطراب، بل بنية معيقة تُفرغ أي جهد إصلاحي من مضمونه.
وفي عدن، كما في سواها من المحافظات، تتحول الفوضى إلى عامل تقويض مباشر لأي محاولة لتحسين حياة المواطنين، لا سيما حين تُغذّى بخطاب إعلامي متطرف يعيد إنتاجها ويمنحها غطاءً من الشرعية الزائفة.
ولذلك لا تعود المشكلة هنا في اختلال الخدمات بحد ذاته، بل في غياب الإطار الناظم الذي يسمح بانتظامها؛ أي غياب الدولة بوصفها فكرة وممارسة في آن معاً.
ومن هذا المنطلق، المشار إليه أعلاه، تتبدى لي مدى الحاجة إلى موقف يتجاوز التوصيف إلى الفعل، قوامه إدراك أن دعم السلطات المحلية والحكومية - بكل ما يعتريها من قصور - ضرورة وظيفية تفرضها طبيعة المرحلة.
فالدولة، في تصوري، لا تُبنى في الفراغ، ولا تستعيد حضورها عبر النقد المجرد أو التشكيك المستمر، بل عبر تراكم الأفعال التي تعيد وصل ما انقطع بين المؤسسة والمجتمع.
وفي هذا السياق، يغدو الانحياز للاستقرار، ولو في حدوده الدنيا، انحيازاً للعقل السياسي الذي يقدّم "الممكن" على "المثالي"، ويؤسس لما يمكن البناء عليه لاحقاً.
أما الإعلام، الذي يفترض به أن يكون وسيطاً للوعي لا أداة لتبديده، فإن انشغال بعض وسائله بالمهاترات أو الصراعات الهامشية، بل وتضخيم عودة من لا يستطيع العودة إلى واجهة المشهد إلا عبر رسائل صوتية، لا يعكس فقط اختلالاً في الأولويات، بل ويكشف عن أزمة في فهم دوره ذاته.
فالإعلام، في لحظات التحول، لا يُقاس بقدرته على إثارة الضجيج، بل بمدى إسهامه في توجيه الانتباه "نحو ما يفيد الناس]" فعلياً، وفي تعزيز حضور الدولة كشرط لازم لأي استقرار. وعلى هذا الأساس، فإن المعركة الحقيقية ليست فقط معركة خدمات أو أمن، بل معركة وعي تُعاد فيها صياغة العلاقة بين المواطن والدولة، بوصفها معركة لا مفر من خوضها، مهما بدت معقدة أو طويلة.





