عند التنظيم الدولي للإخوان لا تبدأ المأساة عند صوت الرصاص. الرصاص أخرس. لا يشرح نفسه. لا يكتب بيانات. لا يملك حساباً على فيسبوك. الرصاصة هي السطر الأخير فقط. أما الرواية فقد بدأت قبل ذلك بكثير. بدأت عند أول كلمة تخوين. وعند أول جهد منظم لنزع التعقيد من البشر وتحويلهم إلى كائنات مسطحة. أخيار مطلقون هنا. وأشرار مطلقون هناك.
الدكتور سامر كان رجلاً مسالماً. لم يكن يحمل سلاحاً ولا يدير مليشيا. خطيئته الكبرى في عرفهم أنه لم يكن إخوانجياً. عدم الانتماء إليهم هو بحد ذاته إعلان حرب في فقههم.
الجماعة لا تحقد على المحاربين ، الجماعة تحقد على المستقلين. المستقل يربك السردية. يكسر احتكار الحقيقة. يثبت أن هناك حياة خارج القطيع. لهذا وضعوه في دائرة القنص الباردة داخل غرفتهم العملياتية المشتركة.
في السياسة المتوحشة لا يُهزم الخصم أولاً، يُجرّد من إنسانيته أولاً. هذه هي الخطوة الأهم. حين يكون خصمك إنساناً ، فإن إيذاءه يحتاج إلى مبررات ثقيلة.
أما حين يتحول إلى رمز للكراهية ، أو إلى شيطان سياسي، أو إلى عنوان للخيانة والفساد والانحطاط، فإن الحواجز الأخلاقية تبدأ بالانهيار حجراً بعد حجر. هنا تبدأ هندسة الكراهية العابرة للحدود. الغرفة الواحدة أصدرت التوجيه الصارم الموحد. تحرك إخوان سوريا بمقالاتهم المسمومة أولاً. صاغوا المضامين المبطنة بالدم. تلقفت الجوقة الإخوانية في اليمن الإشارة فورا.
الماكينة المحلية اشتغلت بطاقتها الرقمية. تحول الإعلامي الإخونجي اليمني إلى صدى مخلص للمحرض السوري. نفس المفردات ونفس التهم المستنسخة. التزامن ليس عفوياً بل هو الدليل على وحدة المطعم السياسي. والمنصات طوقت الطبيب المسالم بالدعاية السوداء لقطع خطوط الدفاع المجتمعي عنه وتحويله إلى هدف مستباح.
لا أحد يقول للناس : اذهبوا واقتلوا فلاناً. الأمر أكثر ذكاءً من ذلك. وأخطر. يُعاد تعريف الضحية باستمرار. يُقدَّم للجمهور باعتباره مشكلة. خطر، ومجرم ، وتهديد وعبء في آن. ثم شيئاً يستحق الإقصاء. الفاصل العملياتي كان دقيقاً للغاية ومحسوياً بالساعة. اثنتا وسبعون ساعة فقط بين مداد القلم وسيل الدم على الأرض. ثلاثة أيام هي الوقت التقني اللازم لانتقال الفتوى من التنظير الافتراضي إلى الميدان المسلح.
في عدن، المدينة المخترقة سياسياً، تتربص الأدوات الوظيفية للتنظيم. الجماعة لا تواجه بالبندقية المرفوعة دائماً بل تتغلغل في مسامات الدولة. تزرع خلاياها الصامتة في حراسة المسؤولين الكبار وركاب المحافظين.
الجندي المنفذ يرتدي بزة رسمية ويقبض راتباً من الشرعية لكن عقيدته وولاءه للغرفة الواحدة القابعة في الخارج. النداء العقائدي ينسخ القسم العسكري. رأى الدكتور سامر وزوجته يمران بأمان. تذكر شريط التحريض المكتوب قبل أيام. المقالات تحولت في عقله المغسول إلى أمر عملياتي واجب النفاذ.
بعد ذلك يبدأ العقل الجمعي بإنتاج ما هو أخطر من الرصاص : التبرير. التبرير هو المصنع الحقيقي للعنف. كل قاتل يحتاج إلى إصبع يضغط الزناد. لكنه يحتاج أيضاً إلى آلاف العقول التي أقنعها أحد مسبقاً أن الأمر مصادفة أو أن الضحية تستحق ما جرى لها. الشارع شهد اللحظة الصفر.
انطلقت الطلقات لتنفذ الحكم الصامت. سقط الدكتور المسالم وزوجته مضرجين بالدماء على الأسفلت الحار. الغدر الإخواني مركب لا يكتفي بتصفية المخالف بل يمحو أثره العائلي لترهيب الوعي العام. المنفذ لم يتردد ولم يرمش له جفن. كان يضع النقطة الأخيرة في نهاية سطر التحريض. الجريمة المكتملة وقعت في الشارع وتحت عين شعب.
الحبر الذي جف في دفاتر الشام واليمن سال قرمزيّاً حاراً في عدن. الدم لم يبرد بعد والماكينة الإعلامية قلبت الصفحة فوراً. انتقلوا بسرعة فائقة من خانة المحرض العنيف إلى خانة المبرر البارد. الرواية الرسمية للجماعة كانت جاهزة في الأدراج مسبقاً: إنها الصدفة الغبية. خطأ غير مقصود من أحد حراس المحافظ. مشاجرة عابرة أدت لإطلاق نار عشوائي طائش. الصدفة هي الصنم الفكري التبريري الذي يعبدونه عند كل مجزرة يرتكبونها لغسل يد القاتل الإخونجي.
ولهذا فإن المجتمعات تنهار بسبب اللغة قبل السلاح. الكلمات ليست بريئة. الكلمات تبني الخرائط الذهنية. والخرائط الذهنية تصنع الانفعالات. والانفعالات تصنع المواقف. والمواقف تصنع الأفعال.
والزبدة ، عندما تقع الجريمة ، تنتقل اللغة فجأة من خانة صناعة الفعل إلى خانة صناعة التبرير. تخرج رواية الصدفة الغبية من ذات المعطف الفكري لامتصاص الوعي العام. يريدون من الجماهير أن تؤمن بأن الحملة المسعورة والرصاصات المتلاحقة مجرد تقاطع زمني عابر. هذه المسرحية التبريرية ليست انعزالاً عن الجريمة. هي امتداد لها لإغلاق الملف وحماية المنفذ الحقيقي. الكذب هنا يصبح أداة أمنية لحماية العقل المدبر.
الخلاصة الجلية تكمن في وحدة المنبع. المجزرة التي بدأت بكلمة وانتهت برصاصة حارس في عدن ، تكشف تماسك السلسلة العملياتية للتنظيم. المطبخ الفكري والعملياتي نفسه. بلا دجل. ولا توجد صدف في سياق العنف المنظم. هذه الغرفة العملياتية الواحدة تدير الأقلام والبنادق معاً ، وتتحرك.





