الصراع الدائر اليوم بين الرئيس العليمي ورئيس البرلمان البركاني لا يمكن فهمه إلا عبر قراءة مزدوجة، قراءة للنظام الداخلي للمؤتمر الشعبي العام وقراءة للدستور اليمني الذي يحدد صلاحيات السلطتين التنفيذية والتشريعية.
فالنظام الداخلي للمؤتمر يمنح الأمانة العامة بقيادة الأمين العام ومساعديه السلطة التنفيذية المباشرة لإدارة شؤون الحزب وتنفيذ قراراته، بينما الدستور يمنح مجلس النواب عبر رئيسه صلاحيات تشريعية ورقابية تجعله شريك أصيل في صناعة القرار الوطني وليس مجرد موقّع على ما ترفعه الرئاسة.
وما يفعله الرئيس العليمي اليوم ليس مجرد محاولة لإعادة هندسة المشهد الحزبي بل ممارسة صريحة لمصادرة الدور الدستوري للبرلمان وتحويل المؤتمر الشعبي العام من مؤسسة جامعة إلى ذراع تنفيذي للرئاسة. فتيار استعادة المؤتمر بشخصياته التي تفتقر إلى الشرعية التنظيمية والشرعية الميدانية أيضًا ليس حراك عضوي ينبع من رحم الحزب بل أداة سياسية ووظيفية تستخدم اليوم لاختراق البنية التنظيمية للمؤتمر عبر بوابة الأمانة العامة التي يفترض أنها جهة تنفيذية وليست جهة قرار.
والشيخ البركاني بصفته رئيس للبرلمان وأمين عام مساعد في المؤتمر يمثل نقطة تقاطع استراتيجية بين السلطتين التشريعية والحزبية، وحين يرد البركاني على بيان تيار الاستعادة فهو لا يدافع عن منصبه فحسب بل يدافع عن مبدأ دستوري وتنظيمي في آن واحد، ويؤكد بأن القرار الحزبي لا يفرض من فوق وأن الصفة التنظيمية لا تمنح بالولاء للرئاسة بل تكتسب عبر النظام الداخلي والانتخاب الداخلي.
ومن هنا يأتي جوهر الصراع، وشخصيات تيار استعادة المؤتمر كما يصفها البركاني تعكس عمق الأزمة في الحزب ذاته، أسماء تفتقر إلى الثقل التاريخي وغائبة عن المشهد الميداني وتستخدم كأدوات ضمن حسابات الرئاسة الضيقة، وهذا ليس حراك لإنقاذ الحزب بل إعادة تدوير لوجوه فقدت مشروعها الوطني وتوظف الآن لخدمة صراع على النفوذ.
لكن المأساة الاستراتيجية تكمن في أن هذا الصراع يهدر الأولوية الوطنية الأصيلة في استعادة الدولة عبر استعادة مؤسساتها.
فالدستور اليمني يمنح مجلس النواب حق التشريع والرقابة على السلطة التنفيذية وإقرار الموازنة ومناقشة السياسات العامة، وهذه الصلاحيات ليست تفاصيل إجرائية بل المدخل الإجباري لإعادة بناء الدولة، والعليمي بمصادرته دور البرلمان لا يصادر سلطة شخص بل يصادر آلية الرقابة التي تمنع الانفراد بالقرار وتضمن الشفافية في إدارة الموارد وتحول دون تحويل الشرعية إلى غطاء لممارسات أحادية وغير مؤسسية.





